البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - و هذه ترجمة ابن زياد
و قولي كلما جشأت و جاشت* * * مكانك تحمدي أو تستريح
لأدفع عن مآثر صالحات* * * و أحمى بعد عن أنف صحيح
ثم كتب إلى أبيه: أن روّه من الشعر، فروّاه حتى كان لا يسقط عنه منه شيء بعد ذلك، و من شعره بعد ذلك:-
سيعلم مروان بن نسوة أننى* * * إذا التقت الخيلان أطعنها شزرا
و إني إذا حل الضيوف و لم أجد* * * سوى فرسي أوسعته لهم نحرا
و قد سأل معاوية يوما أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا: إنه لظريف و لكنه يلحن، فقال:
أو ليس اللحن أظرف له؟ قال ابن قتيبة و غيره: إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه، أي يلغز، و هو ألحن بحجته كما قال الشاعر في ذلك:-
منطق رائع و يلحن أحيانا* * * و خير الحديث ما كان لحنا
و قيل إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحنا و هو ضد الاعراب، و قيل أرادوا اللحن الّذي هو ضد الصواب و هو الأشبه و اللَّه أعلم. فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام و أنه لم يكن ممن يتعمق في كلامه و يفخمه، و يتشدق فيه، و قيل أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم، فان أمه مرجانة كانت سيروية و كانت بنت بعض ملوك الأعاجم يزدجرد أو غيره، قالوا: و كان في كلامه شيء من كلام العجم، قال يوما لبعض الخوارج: أ هروري أنت؟ يعنى أ حروري أنت؟ و قال يوما من كاتلنا كاتلناه، أي من قاتلنا قاتلناه، و قول معاوية ذاك أظرف له، أي أجود له حيث نزع إلى أخواله، و قد كانوا يوصفون بحسن السياسة و جودة الرعاية و محاسن الشيم.
ثم لما مات زياد سنة ثلاث و خمسين ولى معاوية على البصرة سمرة بن جندب سنة و نصفا ثم عزله و ولى عليها عبد اللَّه بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر، ثم عزله و ولى عليها ابن زياد سنة خمس و خمسين. فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة و الكوفة، فبنى في إمارة يزيد البيضاء، و جعل باب القصر الأبيض الّذي كان لكسرى عليها، و بنى الحمراء و هي على سكة المربد، فكان يشتى في الحمراء و يصيف في البيضاء، قالوا: و جاء رجل إلى ابن زياد فقال: أصلح اللَّه الأمير، إن امرأتي ماتت، و إني أريد أن أتزوج أمها، فقال له: كم عطاؤك في الديوان؟ فقال: سبعمائة، فقال: يا غلام حط من عطائه أربعمائة، ثم قال له: يكفيك من فقهك هذا ثلاثمائة، قالوا: و تخاصمت أم الفجيج و زوجها إليه و قد أحبت المرأة أن تفارق زوجها، فقال أبو الفجيج: أصلح اللَّه الأمير إن خير شطرى الرجل آخره، و إن شر شطرى المرأة آخرها، فقال: و كيف ذلك؟ فقال: إن الرجل إذا أسن اشتد عقله و استحكم رأيه و ذهب جهله، و إن المرأة إذا أسنت ساء خلقها و قل عقلها و عقم