البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - فصل
علم. قال: سبحان اللَّه!! فلم أخرت هذا إلى اليوم؟ ابعثه إلى، قال فجئت به و قد غسل فخرج عودا ناضرا و قد شرب الزيت، فأمر لي باثني عشر ألفا، ثم نودي في الناس الصلاة جامعة، قال: فخطب المختار الناس فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا و هو كائن في هذه الأمة مثله، و إنه قد كان في بنى إسرائيل تابوت يستنصرون به، و إن هذا مثله، ثم أمر فكشف عنه أثوابه و قامت السبابية فرفعوا أيديهم و كبروا ثلاثا، فقام شبث بن ربعي فأنكر على الناس و كاد أن يكفر من يصنع بهذا التابوت هذا التعظيم. و أشار بأن يكسر و يخرج من المسجد و يرمى في الخنس، فشكرها الناس لشبث ابن ربعي، فلما قيل: هذا عبيد اللَّه بن زياد قد أقبل، و بعث المختار ابن الأشتر، بعث معه بالكرسي يحمل على بغل أشهب قد غشي بأثواب الحرير، عن يمينه سبعة و عن يساره سبعة، فلما تواجهوا مع الشاميين كما سيأتي و غلبوا الشاميين و قتلوا ابن زياد، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسي حتى بلغوا به الكفر، قال الطفيل بن جعدة فقلت: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، و ندمت على ما صنعت، و تكلم الناس في هذا الكرسي و كثر عيب الناس له، فغيب حتى لا يرى بعد ذلك.
و ذكر ابن الكلبي أن المختار طلب من آل جعدة بن هبيرة الكرسي الّذي كان على يجلس عليه فقالوا: ما عندنا شيء مما يقول الأمير، فألح عليهم حتى علموا أنهم لو جاءوا بأي كرسي كان لقبله منهم، فحملوا إليه كرسيا من بعض الدور فقالوا: هذا هو، فخرجت شيام و شاكر و سائر رءوس المختارية و قد عصبوه بالحرير و الديباج. و حكى أبو مخنف أن أول من سدن هذا الكرسي موسى بن أبى موسى الأشعري، ثم إن الناس عتبوا عليه في ذلك، فرفعه إلى حوشب البرسمي، و كان صاحبه حتى هلك المختار قبحه اللَّه. و يروى أن المختار كان يظهر أنه لا يعلم بما يعظم أصحابه هذا الكرسي، و قد قال في هذا الكرسي أعشى همدان:-
شهدت عليكم أنكم سبائية* * * و أنى بكم يا شرطة الشرك عارف
و أقسم ما كرسيكم بسكينة* * * و ان كان قد لفت عليه اللفائف
و أن ليس كالتابوت فينا و إن سعت* * * شبام حواليه و نهد و خارف
و إني امرؤ أحببت آل محمد* * * و تابعت وحيا ضمنته المصاحف
و تابعت عبد اللَّه لما تتابعت* * * عليه قريش شمطها و الغطارف
و قال المتوكل الليثي
أبلغ أبا إسحاق إن جئته* * * أنى بكرسيكم كافر
تنزوا شبام حول أعواده* * * و تحمل الوحي له شاكر
محمرة أعينهم حوله* * * كأنهن الحمص الحادر