البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - فصل
العباس من عنده و بعث إليهم الجزر و الغنم و الدقيق، و قد كان عندهم حاجة شديدة إلى ذلك، و جوع كثير، فجعلوا يذبحون و يطبخون و يختبزون و يأكلون على ذلك الماء، فلما كان الليل بيتهم عباس بن سهل فقتل أميرهم و طائفة منهم نحوا من سبعين، و أسر منهم خلقا كثيرا فقتل أكثرهم، و رجع القليل منهم إلى المختار و إلى بلادهم خائبين قال أبو مخنف: فحدثني يوسف أن عباس بن سهل انتهى إليهم و هو يقول:-
أنا ابن سهل فارس غير و كل* * * أروع مقدام إذا الكبش نكل
و أعتلى رأس الطرماح البطل* * * بالسيف يوم الروع حتى ينجدل
فلما بلغ خبرهم المختار قام في أصحابه خطيبا فقال: إن الفجار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار، ألا إنه كان أمرا مأتيا، و قضاء مقضيا. ثم كتب إلى محمد بن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعميّ كتابا يذكر فيه أنه بعث إلى المدينة جيشا لنصرته فغدر بهم جيش ابن الزبير، فان رأيت أن أبعث جيشا آخر إلى المدينة و تبعث من قبلك رسلا إليهم فافعل، فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد فان أحب الأمور كلها إلى ما أطيع اللَّه فيه، فأطع اللَّه فيما أسررت و أعلنت، و اعلم أنى لو أردت القتال لوجدت الناس إلى سراعا، و الأعوان لي كثيرة، و لكنى أعتزلهم و أصبر حتى يحكم اللَّه لي و هو خير الحاكمين. و قال لصالح بن مسعود: قل للمختار فليتق اللَّه و ليكف عن الدماء. فلما انتهى إليه كتاب محمد بن الحنفية قال: إني قد أمرت بجمع البر و اليسر، و بطرح الكفر و الغدر.
و ذكر ابن جرير من طريق المدائني و أبى مخنف أن ابن الزبير عمد إلى ابن الحنفية و سبعة عشر رجلا من أشراف أهل الكوفة فحبسهم حتى يبايعوه، فكرهوا أن يبايعوا إلا من اجتمعت عليه الأمة، فتهددهم و توعدهم و اعتقلهم بزمزم، فكتبوا إلى المختار بن أبى عبيد يستصرخونه و يستنصرونه، و يقولون له: إن ابن الزبير قد توعدنا بالقتل و الحريق، فلا تخذلونا كما خذلتم الحسين و أهل بيته، فجمع المختار الشيعة و قرأ عليهم الكتاب و قال: هذا صريخ أهل البيت يستصرخكم و يستنصركم، فقام في الناس بذلك و قال: لست أنا بأبي إسحاق إن لم أنصركم نصرا مؤزرا، و إن لم أرسل إليهم الخيل كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية الويل، ثم وجه أبا عبد اللَّه الجدلي في سبعين راكبا من أهل القوة، و ظبيان بن عمر التيمي في أربعمائة، و أبا المعتمر في مائة، و هانئ بن قيس في مائة، و عمير بن طارق في أربعين، و كتب إلى محمد بن الحنفية مع الطفيل بن عامر بتوجيه الجنود إليه، فنزل أبو عبد اللَّه الجدلي بذات عرق حتى تلاحق به نحو من مائة و خمسين فارسا، ثم سار بهم حتى دخل المسجد الحرام نهارا جهارا و هم يقولون: يا ثارات الحسين، و قد أعد ابن الزبير الحطب لابن الحنفية و أصحابه ليحرقهم به إن لم يبايعوه، و قد بقي من الأجل يومان، فعمدوا- يعنى أصحاب