البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٨ - الحطيئة الشاعر
ما ذا تقول لا فراخ بذي مرح* * * زعب الحواصل لا ماء و لا شجر
غادرت كاسبهم في قعر مظلمة* * * فارحم هداك مليك الناس يا عمر
أنت الامام الّذي من بعد صاحبه* * * ألقى إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها* * * لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
فامنن على صبية بالرمل مسكنهم* * * بين الأباطح يغشاهم بها القدر
نفسي فداؤك كم بيني و بينهم* * * من عرض وادية يعمى بها الخبر
قال: فلما قال الحطيئة: ما ذا تقول الافراخ بذي مرح، بكى عمر، فقال عمرو بن العاص:
ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكى على تركه الحطيئة. ثم ذكروا أنه أراد قطع لسان الحطيئة لئلا يهجو به الناس فأجلسه على كرسي و جيء بالموسى، فقال الناس: لا يعود يا أمير المؤمنين و أشاروا إليه قل: لا أعود، فقال له عمر النجا، فلما ولى قال له عمر: ارجع يا حطيئة، فرجع فقال له: كأنى بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة، و بسط لك أخرى، و قال:
يا حطيئة غننا، فاندفعت تغنيه بأعراض الناس، قال أسلم: فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد اللَّه ابن عمر و قد كسر له نمرقة و بسط له أخرى، و قال: يا حطيئة غننا فاندفع حطيئة يغنى، فقلت له:
يا حطيئة أ تذكر يوم عمر حين قال لك ما قال؟ ففزع و قال: رحم اللَّه ذلك المرء، لو كان حيا ما فعلنا هذا، فقلت لعبيد اللَّه: إني سمعت أباك يقول كذا و كذا فكنت أنت ذلك الرجل، و قال الزبير:
حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال قال عمر للحطيئة: دع قول الشعر. قال لا أستطيع، قال: لم؟
قال: هو مأكلة عيالي، و علة لساني، قال: فدع المدحة المجحفة، قال: و ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال تقول بنو فلان أفضل من بنى فلان، امدح و لا تفضل، فقال: أنت أشعر منى يا أمير المؤمنين. و من مديحه الجيد المشهور قوله:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم* * * من اللوم أو سدّوا المكان الّذي سدّوا
أولئك قومي إن بنوا أحسنوا البنا* * * و إن عاهدوا أوفوا و إن عقدوا شدوا
و إن كانت النعماء فيهم جزوا بها* * * و إن أنعموا لا كدروها و لا كدّوا
قالوا: و لما احتضر الحطيئة قيل له أوص قال أوصيكم بالشعر، ثم قال:
الشعر صعب و طويل سلّمه* * * إذا ارتقى فيه الّذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه* * * و الشعر لا يستطيعه من يظلمه
أراد أن يعربه فأعجمه
قال أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم: توفى الحطيئة في هذه السنة، و ذكر أيضا فيها وفاة