البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٤ - ثم دخلت سنة تسع و خمسين
و يودعك، فقالت: ائذن له إن شئت، قال فأدخلته، فلما جلس قال: أبشرى فقالت: بما ذا؟
فقال: ما بينك و بين أن تلقى محمدا و الأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، و كنت أحب نساء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إليه، و لم يكن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحب إلا طيبا، و سقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصبح الناس و ليس معهم ماء، فأنزل اللَّه آية التيمم، فكان ذلك في سببك، و ما أنزل اللَّه من الرخصة لهذه الأمة، و أنزل اللَّه براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد اللَّه إلا يتلى فيه آناء الليل و آناء النهار، فقالت:
دعني منك يا ابن عباس، و الّذي نفسي بيده لوددت أنى كنت نسيا منسيا. و الأحاديث في فضائلها و مناقبها كثيرة جدا. و قد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان و خمسين، و قيل قبله بسنة، و قيل بعده بسنة، و المشهور في رمضان منه و قيل في شوال، و الأشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان، و أوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، و صلّى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، و نزل في قبرها خمسة، و هم عبد اللَّه و عروة ابنا الزبير بن العوام، من أختها أسماء بنت أبى بكر، و القاسم و عبد اللَّه ابنا أخيها محمد بن أبى بكر، و عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبى بكر، و كان عمرها يومئذ سبعا و ستين سنة، لانه توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عمرها ثمان عشرة سنة، و كان عمرها عام الهجرة ثمان سنين أو تسع سنين، فاللَّه أعلم و رضى اللَّه تعالى عن أبيها و عن الصحابة أجمعين.
ثم دخلت سنة تسع و خمسين
فيها شتى عمرو بن مرة الجهنيّ في أرض الروم في البر، قاله الواقدي، و لم يكن فيها غزو في البحر، و قال غيره: بل غزا في البحر عامئذ جنادة بن أبى أمية. و فيها عزل معاوية ابن أم الحكم عن الكوفة لسوء سيرته فيهم، و ولى عليهم النعمان بن بشير. و فيها ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد ولاية خراسان و عزل عنها سعيد بن عثمان بن عفان، فصار عبيد اللَّه على البصرة، و أخوه عبد الرحمن هذا على خراسان، و عباد بن زياد على سجستان، و لم يزل عبد الرحمن عليها واليا إلى زمن يزيد، فقدم عليه بعد مقتل الحسين فقال له: كم قدمت به من هذا المال؟ قال: عشرون ألف ألف، فقال له: إن شئت حاسبناك، و إن شئت سوغناكها و عزلناك عنها، على أن تعطى عبد اللَّه بن جعفر خمسمائة ألف درهم، قال: بل سوغها، و أما عبد اللَّه بن جعفر فأعطيه ما قلت و مثلها معها، فعزله و ولى غيره، و بعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد اللَّه بن جعفر بألف ألف درهم، و قال: خمسمائة ألف من جهة أمير المؤمنين، و خمسمائة ألف من قبلي. و في هذه السنة وفد عبيد اللَّه بن زياد على معاوية و معه أشراف أهل البصرة و العراق، فاستأذن لهم عبد اللَّه عليه على منازلهم منه، و كان آخر من أدخله على معاوية الأحنف بن قيس،- و لم يكن عبيد اللَّه يجله- فلما رأى معاوية الأحنف رحّب به