البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٠ - عبيد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب
قصته مع ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام
قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي عن أبيه أن عبد الرحمن بن ابى بكر الصديق رضى اللَّه عنهما قدم الشام في تجارة- يعنى في زمان جاهليته- فرأى امرأة يقال لها ليلى ابنة الجودي على طنفسة لها و حولها ولائدها فأعجبته، قال ابن عساكر: رآها بأرض بصرى فقال فيها:
تذكرت ليلى و السماوة دونها* * * فمال ابنة الجودي ليلى و ما ليا
و انى تعاطى قلبه حارثية* * * تؤمن بصرى أو تحل الحوابيا
و إني بلاقيها بلى و لعلها* * * إن الناس حجوا قابلا أن توافيا
قال: فلما بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال للأمير على الجيش: إن ظفرت بليلى بنت الجودي عنوة فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبى بكر، فظفر بها فدفعها إليه فأعجب بها و آثرها على نسائه حتى جعلن يشكونها إلى عائشة، فعاتبته عائشة على ذلك، فقال: و اللَّه كأنى أرشف بأنيابها حب الرمان، فأصابها وجع سقط له فوها فجفاها حتى شكته إلى عائشة، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن لقد أحببت ليلى فأفرطت، و أبغضتها فأفرطت، فاما أن تنصفها و إما أن تجهزها إلى أهلها. قال الزبيري: و حدثني عبد اللَّه بن نافع عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه.
قال: إن عمر بن الخطاب نفل عبد الرحمن بن أبى بكر ليلى بنت الجودي حين فتح دمشق، و كانت ابنة ملك دمشق- يعنى ابنة ملك العرب الذين حول دمشق- و اللَّه أعلم.
عبيد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب
القرشي الهاشمي ابن عم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان أصغر من أخيه عبد اللَّه بسنة، و أمها أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، و كان عبيد اللَّه كريما جميلا وسيما يشبه أباه في الجمال،
روينا أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «كان يصفّ عبد اللَّه و عبيد اللَّه و كثيرا صفا و يقول: من سبق إليّ فله كذا، فيستبقون إليه فيقعون على ظهره و صدره فيقبلهم و يلتزمهم».
و قد استنابه على بن أبى طالب في أيام خلافته على اليمن. و حج بالناس سنة ست و ثلاثين و سنة سبع و ثلاثين، فلما كان سنة ثمان و ثلاثين اختلف هو و يزيد بن سمرة الرهاوي الّذي قدم على الحج من جهة معاوية، ثم اصطلحا على شيبة بن عثمان الحجبي، فأقام للناس الحج عامئذ، ثم لما صارت الشكوة لمعاوية تسلط على عبيد اللَّه بسر بن أبى أرطاة فقتل له ولدين، و جرت أمور باليمن قد ذكرنا بعضها. و كان يقدم هو و أخوه عبد اللَّه المدينة فيوسعهم عبد اللَّه علما، و يوسعهم عبيد اللَّه كرما. و قد روى أنه نزل في مسير له مع مولى له على خيمة رجل من الأعراب، فلما رآه الأعرابي أعظمه و أجله، و رأى حسنه و شكله، فقال لامرأته:
ويحك ما ذا عندك لضيفنا هذا؟ فقالت: ليس عندنا إلا هذه الشويهة التي حياة ابنتك من لبنها،