البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٩ - ثم دخلت سنة ست و خمسين
منهم خلقا كثيرا، و استشهد معه جماعة منهم فيما قيل قثم بن العباس بن عبد المطلب. قال ابن جرير:
سأل سعيد بن عثمان بن عفان معاوية أن يوليه خراسان فقال: إن بها عبيد اللَّه بن زياد، فقال:
أما لقد اصطنعك أبى و رقاك حتى بلغت باصطناعه المدى الّذي لا يجارى إليه و لا يسامى، فما شكرت بلاءه و لا جازيته بآلائه، و قدمت على هذا- بعنى يزيد بن معاوية- و بايعت له، و و اللّه لأنا خير منه أبا و أما و نفسا. فقال له معاوية: أما بلاء أبيك عندي فقد يحق على الجزاء به، و قد كان من شكري لذلك أنى طلبت بدمه حتى تكشفت الأمور، و لست بلائم لنفسي في التشمير، و أما فضل أبيك على أبيه، فأبوك و اللَّه خير منى و أقرب برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أما فضل أمك على أمه فما لا ينكر، فان امرأة من قريش خير من امرأة من كلب، و أما فضلك عليه فو اللَّه ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك- يعنى أن الغوطة لو ملئت رجالا مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيرا و أحب إلى منهم. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين ابن عمك و أنت أحق من نظر في أمره، و قد عتب عليك في فأعتبه. فولاه حرب خراسان، فأتى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد من الترك فقاتلهم و هزمهم و حصرهم في مدينتهم، فصالحوه و أعطوه رهنا خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم، فأقام بالترمذ و لم يف لهم، و جاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة. و فيها دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولى عهده من بعده،- و كان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة- فروى ابن جرير من طريق الشعبي أن المغيرة كان قد قدم على معاوية و أعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره و ضعفه، و عزم على توليتها سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم، فجاء إلى يزيد ابن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولى العهد، فسأل ذلك من أبيه فقال: من أمرك بهذا؟ قال: المغيرة، فأعجب ذلك معاوية من المغيرة و رده إلى عمل الكوفة، و أمره أن يسعى في ذلك، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك، و كتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد و إقباله على اللعب و الصيد، فبعث إليه من يثنى رأيه عن ذلك، و هو عبيد ابن كعب بن النميري- و كان صاحبا أكيدا لزياد- فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أولا، فكلمه عن زياد و أشار عليه بان لا يطلب ذلك، فان تركه خير له من السعي فيه، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك، و اجتمع بأبيه و اتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت، فلما مات زياد و كانت هذه السنة، شرع معاوية في نظم ذلك و الدعاء إليه، و عقد البيعة لولده يزيد، و كتب إلى الآفاق بذلك، فبايع له الناس في سائر الأقاليم، إلا عبد الرحمن بن أبى بكر و عبد اللَّه بن عمرو الحسين بن على و عبد اللَّه بن الزبير و ابن عباس، فركب معاوية إلى مكة معتمرا، فلما اجتاز بالمدينة- مرجعه من مكة- استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده و تهدده بانفراده، فكان من أشدهم عليه ردا و أجلدهم في الكلام،