البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٩ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
العصا، فلما قرأ كتابه ألقاه من يده و قال:-
و لا ألين لغير الحق أسأله* * * حتى تلين لضرس الماضغ الحجر
فلما مات يزيد بن معاوية و ابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبا، استفحل أمر عبد اللَّه بن الزبير جدا، و بويع له بالخلافة في جميع البلاد الإسلامية، و بايع له الضحاك بن قيس بدمشق و أعمالها، و لكن عارضه مروان بن الحكم في ذلك و أخذ الشام و مصر من نواب ابن الزبير، ثم جهز السرايا إلى العراق، و مات و تولى بعده عبد الملك بن مروان فقتل مصعب بن الزبير بالعراق و أخذها، ثم بعث إلى الحجاج فحاصر ابن الزبير بمكة قريبا من سبعة أشهر حتى ظفر به في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين.
و كانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع و ستين، و حج بالناس فيها كلها، و بنى الكعبة في أيام ولايته كما تقدم، و كساها الحرير، و كانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع و المسوح، و كان ابن الزبير عالما عابدا مهيبا وقورا كثير الصيام و الصلاة، شديد الخشوع جيد السياسة، قال أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا أحمد بن سعيد الدارميّ ثنا أبو عاصم عن عمر بن قيس.
قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغه غير لغة الآخر، و كان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، و كنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد اللَّه و الدار الآخرة طرفة عين، و إذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين. و قال الثوري عن الأعمش عن أبى الضحى قال: رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال، و كان يطيب الكعبة حتى كان يوجد ريحها من مسافة بعيدة. و قال ابن المبارك عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: دخل ابن الزبير على امرأته بنت الحسن فرأى ثلاثة مثل- يعنى أفرشة- فقال: هذا لي و هذا لابنة الحسن، و هذا للشيطان فأخرجوه.
و قال الثوري عن عبد اللَّه بن أبى بشير عن عبد اللَّه بن مساور. قال: سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير على البخل و يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «ليس بالمؤمن من يبيت شبعان و جاره إلى جنبه جائع».
و قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق ثنا يعقوب عن جعفر بن أبى المغيرة عن ابن أبزى عن عثمان بن عفان. قال قال له عبد اللَّه بن الزبير حين حصر: إن عندي نجائب قد أعددتها لك، فهل لك أن تتحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا! إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يلحد كبش من قريش اسمه عبد اللَّه، عليه مثل أوزار الناس».
و هذا الحديث منكر جدا و في إسناده ضعف، و يعقوب هذا هو القمي و فيه تشيع، و مثل هذا لا يقبل تفرده به، و بتقدير صحته فليس هو بعبد اللَّه ابن الزبير، فإنه كان على صفات حميدة، و قيامه في الامارة إنما كان للَّه عز و جل، ثم هو كان الامام