البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٧ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
حكيت لنا الصديق لما وليتها* * * و عثمان و فاروق فارتاح معدم
و سويت بين الناس في الحق فاستووا* * * فعاد صباحا حالك اللون مظلم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا* * * دجى الليل جواب الفلاة غشمشم
لتجير منه جائيا غدرت به* * * صروف الليالي و الزمان المصمم
فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فان الشعر أهون رسائلك عندنا، أما صفوه فما لنا فلال الزبير، و أما عفوه فان بنى أسد يشغلها عنك و تيما، و لكن لك في مال اللَّه حقان، حق لرؤيتك لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و حق لشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم فأعطاه قلائص سبعا و جملا و خيلا، و أوقر له الركاب برا و تمرا و ثيابا، فجعل النابغة يستعجل و يأكل الحب صرفا، فقال له ابن الزبير: ويح أبى ليلى، لقد بلغ الجهد.
فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «ما وليت قريش و عدلت، و استرحمت فرحمت و حدثت فصدقت، و وعدت خيرا فأنجزت، فأنا و النبيون فرط العاصفين»
و قال محمد بن مروان صاحب كتاب المجالسة: أخبرنى خبيب بن نصير الأزدي ثنا محمد بن دينار الضبيّ ثنا هشام بن سليمان المخزومي عن أبيه قال: إذن معاوية للناس يوما فدخلوا عليه فاحتفل المجلس و هو على سريره، فأجال بصره فيهم فقال: أنشدونى لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة من أجمع ما قالتها العرب، ثم قال: يا أبا خبيب فقال: مهيم، قال أنشد ذلك، فقال: نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمائة ألف كل بيت بمائة ألف، قال: نعم إن ساوت، قال أنت بالخيار، و أنت واف كاف، فأنشده للأفوه الأزدي:-
بلوت الناس قرنا بعد قرن* * * فلم أر غير ختال و قال
فقال معاوية صدق
و لم أر في الخطوب أشد وقعا* * * و كيداً من معادات الرجال
فقال معاوية صدق
و ذقت مرارة الأشياء طرا* * * فما شيء أمر من السؤال
فقال صدق ثم قال معاوية: هيه يا خبيب، قال: إلى هاهنا انتهى، قال: فدعا معاوية بثلاثين عبدا على عنق كل واحد منهم بدرة، و هي عشرة آلاف درهم، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره.
و روى ابن أبى الدنيا عن أبى يزيد النميري عن أبى عاصم النبيل عن جويرية بن أسماء أن معاوية لما حج تلقته الناس و تخلف ابن الزبير ثم جاءه و قد حلق رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين ما أكبر حجرة رأسك!! فقال له اتّق أن لا يخرج عليك منها حية فتقتلك، فلما أفاض معاوية طاف معه ابن الزبير و هو آخذ بيده ثم استدعاه إلى داره و منازله بقعيقعان، فذهب معه إليها، فلما خرجا قال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره و منازله ففعل معه ما ذا، لا و اللَّه