البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٨ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
لا أدعك حتى تعطيني مائة ألف، فأعطاه فجاء مروان فقال: و اللَّه يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك، جاءك رجل قد سمى بيت مال الديوان و بيت الخلافة، و بيت كذا، و بيت كذا، فأعطيته مائة ألف، فقال له: ويلك كيف أصنع بابن الزبير؟ و قال ابن أبى الدنيا: أخبرنى عمر بن بكير عن على بن مجاهد بن عروة قال: سأل ابن الزبير معاوية شيئا فمنعه، فقال: و اللَّه ما أجهل أن ألزم هذه البنية فلا أشتم لك عرضا و لا أقصم لك حسبا، و لكنى أسدل عما متى من بين يدي ذراعا، و من خلفي ذراعا في طريق أهل الشام و أذكر سيرة أبى بكر الصديق و عمر فيقول الناس: من هذا؟
فيقولون ابن حواري رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ابن بنت الصديق، فقال معاوية: حسبك بهذا شرفا، ثم قال: هات حوائجك. و قال الأصمعي: ثنا غسان بن نصر عن سعيد بن يزيد. قال: دخل ابن الزبير على معاوية فأمر ابنا له صغيرا فلطمه لطمة دوخ منها رأسه، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي:
ادن منى، فدنا منه، فقال له: الطم معاوية، قال: لا أفعل، قال: و لم؟ قال لأنه أبى، فرفع ابن الزبير يده فلطم الصبى لطمة جعل يدور منها كما تدور الدوامة، فقال معاوية: تفعل هذا بغلام لم تجز عليه الأحكام؟ قال: إنه و اللَّه قد عرف ما يضره مما ينفعه، فأحببت أن أحسن أدبه. و قال أبو الحسن على بن محمد المدائني عن عبد اللَّه بن أبى بكر قال: لحق ابن الزبير معاوية و هو سائر إلى الشام فوجده و هو ينعس على راحلته، فقال له: أ تنعس و أنا معك؟ أما تخاف منى أن أقتلك؟ فقال:
إنك لست من قتال الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره. قال لقد سرت تحت لواء أبى إلى على بن أبى طالب، و هو من تعلمه، فقال: لا جرم قتلكم و اللَّه بشماله. قال: أما إن ذلك كان في نصرة عثمان، ثم لم يجز بها. فقال: إنما كان لبغض على لا لنصرة عثمان، فقال له ابن الزبير: إنا قد أعطيناك عهدا فنحن وافون لك به ما عشت، فسيعلم من بعدك، فقال: أما و اللَّه ما أخافك إلا على نفسك، و كأنى بك قد خبطت في الحبالة و استحكمت عليك الأنشوطة، فذكرتني و أنت فيها، فقلت ليت أبا عبد الرحمن لها، ليتني و اللَّه لها. أما و اللَّه لأحللتك رويدا، و لأطلقتك سريعا، و لبئس الولي أنت تلك الساعة. و حكى أبو عبد اللَّه نحو هذا، و قد تقدم أن معاوية لما مات و جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر منها ابن الزبير و الحسين بن على فقصدا مكة فأقاما بها، ثم خرج الحسين إلى العراق و كان من أمره ما تقدم، و تفرد بالرياسة و السؤدد بمكة ابن الزبير، و لهذا كان ابن عباس ينشد:-
يا لك من قنبرة بمعمرى* * * خلالك الجو فبيضي و اصفرى
و نقرى ما شئت أن تنقرى
يعرض بابن الزبير. و قيل إن يزيد بن معاوية كتب إلى ابن الزبير يقول: إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة و قيد من ذهب و جامعة من فضة و حلفت لتأتينى في ذلك فأبر قسمي و لا تشق