البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٦ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
قال: أقبل عبد اللَّه بن الزبير من العمرة في ركب من قريش فلما كانوا عند اليناصب أبصروا رجلا عند شجرة، فتقدمهم ابن الزبير، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به و رد ردا ضعيفا، و نزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل، فقال له ابن الزبير: تنح عن الظل، فانحاز متكارها، قال ابن الزبير:
فجلست و أخذت بيده و قلت: من أنت؟ فقال: رجل من الجن، فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة منى فاجتذبته و قلت: أنت رجل من الجن و تبدو إلى هكذا؟ و إذا له سفلة و انكسر و نهرته و قلت: إلى تتبدا و أنت من أهل الأرض، فذهب هاربا و جاء أصحابى فقالوا: أين الرجل الّذي كان عندك؟ فقلت: إنه كان من الجن فهرب. قال: فما منهم رجل إلا سقط إلى الأرض عن راحلته، فأخذت كل رجل منهم فشددته على راحلته حتى أتيت بهم الحج و ما يعقلون. و قال سفيان بن عيينة قال ابن الزبير: دخلت المسجد ذات ليلة فإذا نسوة يطفن بالبيت فأعجبنني، فلما قضين طوافهن خرجن فخرجت في أثرهن لأعلم أين منزلهن، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ثم انحدرن حتى أتين فجا فدخلن خربة فدخلت في أثرهن. فإذا مشيخة جلوس فقالوا: ما جاء بك يا ابن الزبير؟ فقلت:
أشتهى رطبا، و ما بمكة يومئذ من رطبة، فأتوني برطب فأكلت ثم قالوا: احمل ما بقي معك، فجئت به المنزل فوضعته في سفط و جعلت السفط في صندوق، ثم وضعت رأسي لأنام، فبينما أنا بين النائم و اليقظان إذ سمعت جلبة في البيت، فقال بعضهم لبعض أين وضعه؟ قالوا: في الصندوق، ففتحوه فإذا هو في السفط داخله، فهموا بفتحه فقال بعضهم: إنه ذكر اسم اللَّه عليه، فأخذوا السفط بما فيه فذهبوا به، قال. فلم آسف على شيء أسفى كيف لم أثب عليهم و هم في البيت. و قد كان عبد اللَّه بن الزبير ممن حاجف عن عثمان يوم الدار، و جرح يومئذ بضع عشرة جراحة، و كان على الراجلة يوم الجمل و جرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضا، و قد تبارز يومئذ هو و مالك بن الحارث بن الأشتر، فاتحدا فصرع الأشتر ابن الزبير فلم يتمكن من القيام عنه، بل احتضنه ابن الزبير و جعل ينادى: اقتلوني و مالكا، و اقتلوا مالكا معى، فأرسلها مثلا. ثم تفرقا و لم يقدر عليه الأشتر، و قد قيل إنه جرح يومئذ بضع و أربعون جراحة، و لم يوجد إلا بين القتلى و به رمق، و قد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم و سجدت للَّه شكرا، و كانت تحبه حبا شديدا، لأنه ابن أختها، و كان عزيزا عليها، و قد روى عن عروة أن عائشة لم نكن تحب أحدا بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبى بكر مثل حبها ابن الزبير، قال: و ما رأيت أبى و عائشة يدعوان لأحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير.
و قال الزبير بن بكار: حدثني أخى هارون بن أبى بكر عن يحيى بن إبراهيم عن سليمان بن محمد عن يحيى بن عروة عن عمه عن عبد اللَّه بن عروة قال أفحمت ألسنة نابغة بنى جعدة فدخل على عبد اللَّه بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الأبيات:-