البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٥ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
الزبير يواصل سبعة أيام و يصبح في الثامن و هو أليثنا. و روى مثله من غير وجه. و قال بعضهم: لم يكن يأكل في شهر رمضان سوى مرة واحدة في وسطه. و قال خالد بن أبى عمران: كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام. و مكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره و قال ليث عن مجاهد:
لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة رضى اللَّه عنه. و لقد جاء سيل مرة فطبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة، و قال بعضهم: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث، في العبادة و الشجاعة و الفصاحة. و قد ثبت أن عثمان جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و ذكره سعيد بن المسيب في خطباء الإسلام مع معاوية و ابنه و سعيد بن العاص و ابنه، و قال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الزبير رداء يمانيا عدنيا يصلى فيه، و كان صيتا إذا خطب تجاوبه الجبلان أبو قبيس و زروراء [و كان آدم نحيفا ليس بالطويل، و كان بين عينيه أثر السجود كثير العبادة مجتهدا شهما فصيحا صواما قواما شديد البأس ذا أنفة له نفس شريفة و همة عالية، و كان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليلا] (١) و كانت له جمة و كان له لحية صفراء. و قد ذكرنا أنه شهد مع ابن أبى سرح قتال البربر و كانوا في عشرين و مائة ألف، و المسلمون عشرون ألفا، فأحاطوا بهم من كل جانب، فما زال عبد اللَّه بن الزبير يحتال حتى ركب في ثلاثين فارسا، و سار نحو ملك البربر و هو منفرد وراء الجيش، و جواريه يظللنه بريش النعام، فساق حتى انتهى إليه و الناس يظنون أنه ذاهب برسالة إلى الملك، فلما فهمه الملك ولى مدبرا فلحقه عبد اللَّه فقتله و احتز رأسه و جعله في رأس رمح و كبر و كبر المسلمون، و حملوا على البربر فهزموهم بين أيديهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا و غنموا أموالا و غنائم كثيرة جدا، و بعث ابن أبى سرح بالبشارة مع ابن الزبير فقص على عثمان الخبر و كيف جرى، فقال له عثمان: إن استطعت أن تؤدى هذا للناس فوق المنبر، قال: نعم! فصعد ابن الزبير فوق المنبر فخطب الناس و ذكر لهم كيفية ما جرى، قال عبد اللَّه: فالتفت فإذا أبى الزبير في جملة من حضر، فلما تبينت وجهه كاد أن يرتج على في الكلام من هيبته في قلبي، فرمزنى بعينه و أشار إلى ليحصني، فمضيت في الخطبة كما كنت، فلما نزلت قال: و اللَّه لكأنّي أسمع خطبة أبى بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بنى. و قال أحمد بن أبى الحواري: سمعت أبا سليمان الدارانيّ يقول: خرج ابن الزبير في ليلة مقمرة على راحلة له فنزل في تبوك فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس و اللحية فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها فركب ابن الزبير راحلته و مضى، قال فناداه: و اللَّه يا ابن الزبير لو دخل قلبك الليلة منى شعرة لخبلتك، قال: و منك أنت يا لعين يدخل قلبي شيء؟ و قد روى لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة، و روى عبد اللَّه بن المبارك عن إسحاق بن يحيى عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير