البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣١ - ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين
عنه يمينا و شمالا، و لا يثبت له أحد و هو يقول:-
إني إذا أعرف يومى أصبر* * * إذ بعضهم يعرف ثم ينكر
و كانت أبواب الحرم قد قل من يحرسها من أصحاب ابن الزبير، و كان لأهل حمص حصار الباب الّذي يواجه باب الكعبة، و لأهل دمشق باب بنى شيبة، و لأهل الأردن باب الصفا، و لأهل فلسطين باب بنى جمح، و لأهل قنسرين باب بنى سهم، و على كل باب قائد و معه أهل تلك البلاد، و كان الحجاج و طارق بن عمرو في ناحية الأبطح، و كان ابن الزبير لا يخرج على أهل باب إلا فرقهم و بدد شملهم، و هو غير ملبس [حتى يخرجهم إلى الأبطح ثم يصيح لو كان قرني واحدا كفيته، فيقول ابن صفوان و أهل الشام أيضا: أي و اللَّه و ألف رجل، و لقد كان حجر المنجنيق يقع على طرف ثوبه فلا ينزعج بذلك، ثم يخرج إليهم فيقاتلهم كأنه أسد ضارى] [١] حتى جعل الناس يتعجبون من إقدامه و شجاعته، فلما كان ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى من هذه السنة بات ابن الزبير يصلى طول ليلته ثم جلس فاحتبى بحميلة سيفه فأغفى ثم انتبه مع الفجر على عادته، ثم قال: أذن يا سعد، فأذن عند المقام، و توضأ ابن الزبير ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر، ثم قرأ سورة ن حرفا حرفا، ثم سلم فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: اكشفوا وجوهكم حتى انظر إليكم، فكشفوا وجوههم و عليهم المعافر، فحرضهم و حثهم على القتال و الصبر، ثم نهض ثم حمل و حملوا حتى كشفوهم إلى الحجون فجاءته آجرة فأصابته في وجهه فارتعش لها، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه تمثل بقول بعضهم:-
و لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا* * * و لكن على أقدامنا تقطر الدما
ثم سقط إلى الأرض فأسرعوا إليه فقتلوه رضى اللَّه عنه، و جاءوا إلى الحجاج فأخبروه فخر ساجدا قبحه اللَّه، ثم قام هو و طارق بن عمرو حتى وقفا عليه و هو صريع، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج: تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين؟ قال: نعم! هو أعذر لأنا محاصروه و ليس هو في حصن و لا خندق و لا منعة ينتصف منا، بل يفضل علينا في كل موقف، فلما بلغ ذلك عبد الملك ضرب طارقا. و روى ابن عساكر في ترجمة الحجاج أنه لما قتل ابن الزبير ارتجت مكة بكاء على عبد اللَّه بن الزبير (رحمه اللَّه)، فخطب الحجاج الناس فقال: أيها الناس! إن عبد اللَّه بن الزبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة و نازعها أهلها و ألحد في الحرم فأذاقه من عذابه الأليم، و إن آدم كان أكرم على اللَّه من ابن الزبير، و كان في الجنة، و هي أشرف من مكة، فلما خالف أمر اللَّه و أكل من الشجرة التي نهى عنها أخرجه اللَّه من الجنة، قوموا إلى صلاتكم
[١] سقط من المصرية