البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين
و لو جاءوا برملة أو بهند* * * لبايعنا أمير المؤمنينا
و كان عبيدة السلماني أعورا، و كان أحد أصحاب ابن مسعود الذين يفتنون الناس. توفى بالكوفة] [١]
ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين
فيها كان مقتل عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي المبير قبحه اللَّه و أخزاه، قال الواقدي: حدثني مصعب بن نائب عن نافع مولى بنى أسد- و كان عالما بفتنة ابن الزبير- قال: حصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة سنة ثنتين و سبعين و قتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأول سنة ثلاث و سبعين، فكان حصر الحجاج له خمسة أشهر و سبع عشرة ليلة. و قد ذكرنا فيما تقدم أن الحجاج حج بالناس في هذه السنة الخارجة، و كان في الحج ابن عمر، و قد كتب عبد الملك إلى الحجاج أن يأتم بابن عمر في المناسك كم ثبت ذلك في الصحيحين، فلما استهلت هذه السنة استهلت و أهل الشام محاصرون أهل مكة، و قد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان و الطاعة لعبد الملك [و كان مع الحجاج الحبشة، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا، و كان معه خمس مجانيق فألح عليها بالرمي من كل مكان، و حبس عنهم الميرة و الماء، فكانوا يشربون من ماء زمزم، و جعلت الحجارة تقع في الكعبة، و الحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام اللَّه اللَّه في الطاعة، فكانوا يحملون على ابن الزبير حتى يقال إنهم آخذوه في هذه الشدة، فيشد عليهم ابن الزبير و ليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بنى شيبة، ثم يكرون عليه فيشد عليهم، فعل ذلك مرارا، و قتل يومئذ جماعة منهم و هو يقول: هذا و أنا ابن الحواري. و قيل لابن الزبير ألا تكلمهم في الصلح!! فقال: و اللَّه لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا و اللَّه لا أسألهم صلحا أبدا] [٢] و ذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق و البروق و الرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، و نزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثنى عشر رجلا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم و يقول: إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة و رعودها و صواعقها، و إن القوم يصيبهم مثل الّذي يصيبكم، و جاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضا، فجعل الحجاج يقول: أ لم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم [و أنتم على الطاعة و هم على المخالفة، و كان أهل الشام يرتجزون و هم يرمون بالمنجنيق و يقولون: مثل الفنيق المزبد* نرمي بها أعواد هذا المسجد* فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته، فتوقف أهل الشام عن الرمي و المحاصرة فخطبهم الحجاج فقال: ويحكم أ لم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم؟ فلو لا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته، فعادوا إلى المحاصرة] [٣]
[ (١، ٢، ٣)] سقط من المصرية