البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٨ - البراء بن عازب
ثم شرع الحاضرون في الثناء على ابن زياد و الأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلم؟
قال: إن تكلمت خالفتهم، فقال معاوية: أشهدكم أنى قد عزلته عن العراق، ثم قال لهم. انظروا لكم نائبا، و أجلهم ثلاثة أيام، فاختلفوا بينهم اختلافا كثيرا، و لم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد اللَّه، و لا طلبه أحد منهم، و لم يتكلم الأحنف في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك الكلام، و كثر اللغط، و ارتفعت الأصوات و الأحنف ساكت، فقال له معاوية: تكلم، فقال له: إن كنت تريد أن تولى فيها أحدا من أهل بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد اللَّه، فإنه رجل حازم لا يسد أحد منهم مسده، و إن كنت تريد غيره فأنت أعلم بقرابتك، فرده معاوية إلى الولاية، ثم قال له بينه و بينه: كيف جهلت مثل الأحنف؟ إنه هو الّذي عزلك و ولاك و هو ساكت، فعظمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند ابن زياد جدا.
توفى الأحنف بالكوفة و صلى عليه مصعب بن الزبير، و مشى في جنازته، و قد تقدمت له حكاية، ذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد، و أنه أصلح بينهما بكلام، قال فبعث معاوية إلى يزيد بمال جزيل و قماش كثير، فأعطى يزيد نصفه للأحنف و اللَّه سبحانه أعلم.
البراء بن عازب
بن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن أوس الأنصاري الحارثي الأوسي. صحابى جليل، و أبوه أيضا صحابى، روى عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث كثيرة، و حدث عن أبى بكر و عمر و عثمان و على و غيرهم، و عنه جماعة من التابعين و بعض الصحابة. و قيل إنه مات بالكوفة أيام ولاية مصعب بن الزبير على العراق عبيدة السلماني القاضى و هو عبيدة بن عمرو و يقال ابن قيس بن عمرو السلماني المرادي أبو عمرو الكوفي. و سلمان بطن من مراد، أسلم عبيدة في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و روى عن ابن مسعود و على و ابن الزبير. و حدث عنه جماعة من التابعين، و قال الشعبي: كان يوازى شريحا في القضاء، قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه أمر كتب إلى عبيدة فيه، و انتهى إلى قوله، و قد أثنى عليه غير واحد، و كانت وفاته في هذه السنة، و قيل سنة ثلاث و قيل أربع و سبعين فاللَّه أعلم. و قد قيل إن مصعب بن الزبير قتل فيها فاللَّه أعلم. [و ممن توفى فيها أيضا عبد اللَّه بن السائب بن صيفي المخزومي، له صحبة و رواية، و قرأ على أبى بن كعب، و قرأ عليه مجاهد و غيره عطية بن بشر المازني له صحبة و رواية عبيدة بن نضيلة أبو معاوية الخزاعي الكوفي مقرى أهل الكوفة، مشهور بالخير و الصلاح، توفى بالكوفة في هذه السنة عبد اللَّه بن قيس الرقيات القرشي العامري أحد الشعراء، مدح مصعبا و ابن جعفر عبد اللَّه بن حمام أبو عبد الرحمن الشاعر السلولي هجا بنى أمية بقوله:-
شربنا الغيض حتى لو سقينا* * * دماء بنى أمية ما روينا