البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢١ - و هذه ترجمة مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه)
بسيفه فقاتل حتى مات، و ذلك بعد خذلان أصحابه له، فذلك مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه)، و ليس هو كمن قطع الجسور مرة هاهنا و مرة هاهنا، فهذا هو الرجل و هذا هو الزهد. قالوا: و كان مقتله يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة ثنتين و سبعين.
و قال الزبير بن بكار: حدثني فليح بن إسماعيل و جعفر بن أبى بشير عن أبيه. قال: لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال:-
لقد أردى الفوارس يوم عبس* * * غلام غير مناع المتاع
و لا فرح بخير إن أتاه* * * و لا هلع من الحدثان لاع
و لا رقابة و الخيل تعدو* * * و لا خال كانبوب اليراع
فقال الرجل الّذي جاء برأسه: و اللَّه يا أمير المؤمنين لو رأيته و الرمح في يده تارة و السيف تارة يفرى بهذا و يطعن بهذا، لرأيت رجلا يملأ القلب و العين شجاعة، لكنه لما تفرقت عنه رجاله و كثر من قصده و بقي وحده ما زال ينشد:-
و إني على المكروه عند حضوره* * * أكذب نفسي و الجفون فلم تغض
و ما ذاك من ذل و لكن حفيظة* * * أذب بها عند المكارم عن عرضي
و إني لأهل الشر بالشر مرصد* * * و إني لذي سلم أذل من الأرض
فقال عبد الملك: كان و اللَّه كما وصف به نفسه و صدق، و لقد كان من أحب الناس إلى، و أشدهم لي ألفة و مودة، و لكن الملك عقيم. و روى يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب عن غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد أن عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان قتل مصعبا عند دير الجاثليق على شاطئ نهر يقال له دجيل، من أرض مسكن، و احتز رأسه فذهب به إلى عبد الملك فسجد شكرا للَّه، و كان ابن ظبيان فاتكا رديئا و كان يقول: ليتني قتلت عبد الملك حين سجد يومئذ فأكون قد قتلت ملكي العرب، قال يعقوب: و كان ذلك سنة ثنتين و سبعين فاللَّه أعلم. و حكى الزبير بن بكار في عمره يوم قتل ثلاثة أقوال، أحدها خمس و ثلاثون سنة و الثاني أربعون سنة، و الثالث خمس و أربعون سنة فاللَّه أعلم.
و روى الخطيب البغدادي أن امرأته سكينة بنت الحسين كانت معه في هذه الوقعة فلما قتل طلبته في القتلى حتى عرفته بشامة في خده فقالت: نعم بعل المرأة المسلمة، كنت أدركك و اللَّه ما قال عنتر
و خليل غانية تركت مجندلا* * * بالقاع لم يعهد و لم يتثلم
فهتكت بالرمح الطويل إهابه* * * ليس الكريم على القنا بمحرم
قال الزبير: و قال عبد اللَّه بن قيس الرقيات يرثى مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه تعالى):-