البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٩ - و هذه ترجمة مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه)
قلت كما قيل أيضا:-
جننا بليلى و هي جنت بغيرنا* * * و أخرى بنا مجنونة لا نريدها
علقناك يا أمير المؤمنين و علقت أهل الشام و علق أهل الشام إلى مروان، فما عسينا أن نصنع؟ قال الشعبي: ما سمعت جوابا أحسن منه، و قال غيره: و كان مصعب من أشد الناس محبة للنساء و قد أمضى من ذلك شيئا كثيرا كما روى أنه اجتمع عند الحجر الأسود جماعة منهم ابن عمر و مصعب بن الزبير، فقالوا: ليقم كل واحد منكم و ليسأل من اللَّه حاجته، فسأل ابن عمر المغفرة، و سأل مصعب أن يزوجه اللَّه سكينة بنت الحسين، و عائشة بنت طلحة، و كانتا من أحسن النساء في ذلك الزمان، و أن يعطيه اللَّه إمرة العراقين، فأعطاه اللَّه ذلك، تزوج بعائشة بنت طلحة، و كان صداقها عليه مائة ألف دينار، و كانت باهرة الجمال جدا، و كان مصعب أيضا جميلا جدا، و كذلك بقية زوجاته، قال الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب و عروة و ابن الزبير و ابن عمر، فقال عبد اللَّه بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، و قال عروة:
أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عنى العلم: و قال مصعب، أما أنا فأتمنى إمرة العراق و الجمع بين عائشة بنت طلحة و سكينة بنت الحسين. و قال عبد اللَّه بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، و لعل ابن عمر قد غفر اللَّه له.
و قال عامر الشعيى: بينما أنا جالس إذ دعاني الأمير مصعب بن الزبير فأدخلنى دار الامارة ثم كشف فإذا وراءه عائشة بنت طلحة، فلم أر منظرا أبهى و لا أحسن منها، فقال: أ تدري من هذه؟
فقلت: لا فقال: هذه عائشة بنت طلحة، ثم خرجت فقالت: من هذا الّذي أظهرتنى عليه؟ قال:
هذا عامر الشعبي، قالت: فأطلق له شيئا، فأطلق لي عشرة آلاف درهم. قال الشعبي: فكان أول مال ملكته، و حكى الحافظ ابن عساكر أن عائشة بنت طلحة تغضبت مرة على مصعب فترضاها بأربعمائة ألف درهم، فأطلقتها هي للمرأة التي أصلحت بينهما، و قيل إنه أهديت له نخلة من ذهب ثمارها من صنوف الجواهر المثمنة، فقومت بألفي ألف دينار، و كانت من متاع الفرس فأعطاها لعائشة بنت طلحة.
و قد كان مصعب من أجود الناس و أكثرهم عطاء، لا يستكثر ما يعطى و لو كان ما عساه أن يكون فكانت عطاياه للقوى و الضعيف، و الوضيع و الشريف متقاربة، و كان أخوه عبد اللَّه يبخل.
و روى الخطيب البغدادي في تاريخه أن مصعبا غضب مرة على رجل فأمر بضرب عنقه، فقال له الرجل: أعز اللَّه الأمير! ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فيتعلق بأطرافك هذه الحسنة، و بوجهك هذا الّذي يستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبا فيم قتلني. فعفا عنه، فقال الرجل: أعز اللَّه الأمير إن