البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٥ - فصل
بتوحيد اللَّه و العمل له، و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة، فان كل خير آتيه أنت بعد ذلك منك مقبول، و إلى اللَّه مرفوع، يا جندب إنك لن تزدد من موتك إلا قربا، فصل صلاة مودع. و أصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، و ابك على ذنبك و تب من خطيئتك، و لتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك، فكأن قد فارقتها و صرت إلى عدل اللَّه، و لن تنتفع بما خلفت، و لن ينفعك إلا عملك. و قال بعضهم: أوصى ابن عباس بكلمات خير من الخيل الدهم، قال: لا تكلمن فيما لا يعنيك حتى ترى له موضعا، و لا تمار سفيها و لا حليما فان الحليم يغلبك و السفيه يزدريك، و لا تذكرن أخاك إذا توارى عنك إلا بمثل الّذي تحب أن يتكلم فيك إذا تواريت عنه، و اعمل عمل من يعلم أنه مجزى بالإحسان مأخوذ بالاجرام. فقال رجل عنده: يا ابن عباس! هذا خير من عشرة آلاف. فقال ابن عباس: كلمة منه خير من عشرة آلاف. و قال ابن عباس: تمام المعروف تعجيله و تصغيره و ستره- يعنى أن تعجل العطية للمعطي، و أن تصغر في عين المعطى- و أن تسترها عن الناس فلا تظهرها! فان في إظهارها فتح باب الرياء و كسر قلب المعطى، و استحياءه من الناس.
و قال ابن عباس: أعز الناس على جليس لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت، و قال أيضا: لا يكافئ من أتانى يطلب حاجة فرآني لها موضعا إلا اللَّه عز و جل، و كذا رجل بدأنى بالسلام أو أوسع لي في مجلس أو قام لي عن المجلس، أو رجل سقاني شربة ماء على ظمأ، و رجل حفظنى بظهر الغيب. و المأثور عنه من هذه المكارم كثير جدا و فيما ذكرنا إشارة إلى ما لم نذكره.
و قد عده الهيثم بن عدي في العميان من الأشراف، و في بعض الأحاديث الواردة عنه ما يدل على ذلك، و قد أصيبت إحدى عينيه فنحل جسمه، فلما أصيبت الأخرى عاد إليه لحمه، فقيل له في ذلك فقال: أصابنى ما رأيتم في الأولى شفقة على الأخرى، فلما ذهبتا اطمأن قلبي. و قال أبو القاسم البغوي: ثنا على بن الجعد ثنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه وقع في عينيه الماء فقال له الطبيب: ننزعك من عينيك الماء على أن لا تصلى سبعة أيام، فقال: لا! إنه من ترك الصلاة و هو يقدر عليها لقي اللَّه و هو عليه غضبان، و في رواية أنه قيل له: نزيل هذا الماء من عينيك على أن تبقى خمسة أيام و لا تصلى إلا على عود، و في رواية إلا مستلقيا، فقال: لا و اللَّه و لا ركعة واحدة، إنه من ترك صلاة واحدة متعمدا لقي اللَّه و هو عليه غضبان. و قد أنشد المدائني لابن عباس حين عمى
إن يأخذ اللَّه من عيني نورهما* * * ففي لساني و سمعي منهما نور
قلبي ذكيّ و عقلي غير ذي دخل* * * و في فمي صارم كالسيف مأثور
و لما وقع الخلف بين ابن الزبير و بين عبد الملك بن مروان اعتزل ابن عباس و محمد بن الحنفية الناس، فدعاهما ابن الزبير ليبايعاه فأبيا عليه، و قال كل منهما: لا نبايعك و لا نخالفك، فهم بهما