البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - ثم دخلت سنة سبع و ستين
فيه صورة الصراط و باب الجنة، و قدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وادي جهنم، و كذلك في أبوابه و مواضع منه، فاغتر الناس بذلك، و إلى زماننا، و بالجملة أن صخرة بيت المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الأرض بهجة و منظرا، و قد كان فيها من الفصوص و الجواهر و الفسيفساء و غير ذلك شيء كثير، و أنواع باهرة. و لما فرغ رجاء بن حيوة و يزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه فضل من المال الّذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال، و قيل ثلاثمائة ألف مثقال، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك، فكتب إليهما: قد وهبته منكما، فكتبا إليه: إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلى نسائنا، فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة و الأبواب، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم و الحديث. فلما كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم بيت المقدس في سنة أربعين و مائة، فوجد المسجد خرابا، فأمر أن يقلع ذلك الذهب و الصفائح التي على القبة و الأبواب، و أن يعمروا بها ما تشعث في المسجد، ففعلوا ذلك.
و كان المسجد طويلا فأمر أن يؤخذ من طوله و يزاد في عرضه، و لما كمل البناء كتب على القبة مما يلي الباب القبلي: أمر ببنائه بعد تشعيثه أمير المؤمنين عبد الملك سنة اثنتين و ستين من الهجرة النبويّة، و كان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة و خمسة و ستون ذراعاً، و عرضه أربعمائة و ستون ذراعا، و كان فتوح القدس سنة ستة عشر و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم] [١]
ثم دخلت سنة سبع و ستين
ففيها كان مقتل عبيد اللَّه بن زياد على يدي إبراهيم بن الأشتر النخعي، و ذلك أن إبراهيم بن الأشتر خرج من الكوفة يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة في السنة الماضية، ثم استهلت هذه السنة و هو سائر لقصد ابن زياد في أرض الموصل، فكان اجتماعهما بمكان يقال له الخازر، بينه و بين الموصل خمسة فراسخ، فبات ابن الأشتر تلك الليلة ساهرا لا يستطيع النوم، فلما كان قريب الصبح نهض فغبى جيشه و كتب كتائبه، و صلى بأصحابه الفجر في أول وقت، ثم ركب فناهض جيش ابن زياد، و زحف بجيشه رويدا و هو ماش في الرجالة حتى أشرف من فوق تل على جيش ابن زياد، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فلما رأوهم نهضوا إلى خيلهم و سلاحهم مدهوشين، فركب ابن الأشتر فرسه و جعل يقف على رايات القبائل فيحرضهم على قتال ابن زياد و يقول: هذا قاتل ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قد جاءكم اللَّه به و أمكنكم اللَّه منه اليوم، فعليكم به فإنه قد فعل في ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لم يفعله فرعون في بنى إسرائيل [هذا ابن زياد قاتل الحسين الّذي حال بينه و بين ماء الفرات أن يشرب منه هو و أولاده و نساؤه، و منعه أن ينصرف إلى بلده أو يأتى يزيد بن معاوية حتى قتله،
[١] سقط من المصرية