البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - فصل
قلت: هذا و أمثاله مما يدل على قلة عقل المختار و أتباعه، و ضعفه و قلة علمه و كثرة جهله، و رداءة فهمه، و ترويجه الباطل على أتباعه و تشبهه الباطل بالحق ليضل به الطغام، و يجمع عليه جهال العوام [قال الواقدي: و في هذه السنة وقع في مصر طاعون هلك فيه خلق كثير من أهلها، و فيها ضرب الدنانير عبد العزيز بن مروان بمصر، و هو أول من ضربها بها. قال صاحب مرآة الزمان: و فيها ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس و عمارة الجامع الأقصى، و كملت عمارته في سنة ثلاث و سبعين، و كان السبب في ذلك أن عبد اللَّه بن الزبير كان قد استولى على مكة، و كان يخطب في أيام منى و عرفة، و مقام الناس بمكة، و ينال من عبد الملك و يذكر مساوى بنى مروان، و يقول: إن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لعن الحكم و ما نسل، و أنه طريد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لعينه، و كان يدعو إلى نفسه، و كان فصيحا، فمال معظم أهل الشام إليه، و بلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا، فبنى القبة على الصخرة و الجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج و يستعطف قلوبهم، و كانوا يقفون عند الصخرة و يطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، و ينحرون يوم العيد و يحلقون رءوسهم، ففتح بذلك على نفسه بأن شنع ابن الزبير عليه، و كان يشنع عليه بمكة و يقول: ضاهى بها فعل الأكاسرة في إيوان كسرى، و الخضراء، كما فعل معاوية.
و لما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال و العمال، و وكل بالعمل رجاء بن حيوة و يزيد بن سلام مولاه، و جمع الصناع من أطراف البلاد و أرسلهم إلى بيت المقدس، و أرسل إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة، و أمر رجاء بن حيوة و يزيد أن يفرغا الأموال إفراغا و لا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات و أكثروا، فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء، و فرشاها بالرخام الملون، و عملا للقبة جلالين أحدهما من اليود الأحمر للشتاء، و آخر من أدم للصيف، و حفا القبة بأنواع الستور، و أقاما لها سدنة و خداما بأنواع الطيب و المسك و العنبر و الماورد و الزعفران، و يعملون منه غالية و يبخرون القبة و المسجد من الليل، و جعل فيها من قناديل الذهب و الفضة و السلاسل الذهب و الفضة شيئا كثيرا، و جعل فيها العود القماري المغلف بالمسك و فرشاها و المسجد بأنواع البسط الملونة، و كانوا إذا أطلقوا البخور شم من مسافة بعيدة، و كان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك و الطيب و البخور أياما، و يعرف أنه قد أقبل من بيت المقدس، و أنه دخل الصخرة، و كان فيه من السدنة و القوم القائمين بأمره خلق كثير، و لم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن و لا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس، بحيث إن الناس التهوا بها عن الكعبة و الحج، و بحيث كانوا لا يلتفتون في موسم الحج و غيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس، و افتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، و أتوه من كل مكان، و قد عملوا فيه من الإشارات و العلامات المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة، فصوروا