البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - فصل
فصل
و لما علم المختار أن ابن الزبير لا ينام عنهم، و أن جيش الشام من قبل عبد الملك مع ابن زياد يقصدونه في جمع كثير لا يرام، شرع يصانع ابن الزبير و يعمل على خداعه و المكر به، فكتب إليه: إني كنت بايعتك على السمع و الطاعة و النصح لك، فلما رأيتك قد أعرضت عنى تباعدت عنك، فان كنت على ما أعهد منك فأنا على السمع و الطاعة لك، و المختار يخفى هذا كل الإخفاء عن الشيعة، فإذا ذكر له أحد شيئا من ذلك أظهر لهم أنه أبعد الناس من ذلك، فلما وصل كتابه إلى ابن الزبير أراد أن يعلم أصادق أم كاذب، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد وليتكها، فقال: و كيف و بها المختار؟ فقال: يزعم أنه سامع لنا مطيع، و أعطاه قريبا من أربعين ألفا يتجهز بها، فسار فلما كان ببعض الطريق لقيه زائدة بن قدامة من جهة المختار في خمسمائة فارس ملبسة، و معه سبعون ألفا من المال، و قد تقدم إليه المختار فقال: أعطه المال فان هو انصرف و إلا فأره الرجال فقاتله حتى ينصرف، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن الجد قبض المال و سار إلى البصرة فاجتمع هو و ابن مطيع بها عند أميرها الحارث بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة، و ذلك قبل وثوب المثنى بن مخرمة كما تقدم، و قبل وصول مصعب بن الزبير إليها.
و بعث عبد الملك بن مروان بن عمه عبد الملك بن الحارث بن الحكم في جيش إلى وادي القرى ليأخذوا المدينة من نواب ابن الزبير، و كتب المختار إلى ابن الزبير إن أحببت أن أمدك بمدد، و إنما يريد خديعته و مكايدته، فكتب إليه ابن الزبير: إن كنت على طاعتي فلست أكره ذلك فابعث بجند إلى وادي القرى ليكونوا مددا لنا على قتال الشاميين. فجهز المختار ثلاثة آلاف عليهم شرحبيل ابن ورس الهمدانيّ، ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة، و قال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلت فاكتب إلى حتى يأتيك أمرى، و إنما يريد أخذ المدينة من ابن الزبير، ثم يركب بعد ذلك إلى مكة ليحاصر ابن الزبير بها، و خشي ابن الزبير أن يكون المختار بعث ذلك الجيش مكرا فبعث العباس ابن سهل بن سعد الساعدي في ألفين، و أمره أن يستعين بالأعراب و قال لهم: إن رأيتموهم في طاعتي و إلا فكايدوهم حتى يهلكهم اللَّه. فأقبل العباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم، و قد بقي ابن ورس في جيشه، فاجتمعا على ماء هنالك، فقال له العباس: أ لستم في طاعة ابن الزبير؟ فقال: بلى، قال: فإنه قد أمرنى أن نذهب إلى وادي القرى فنقاتل من به من الشاميين. فقال له ابن ورس:
فانى لم أومر بطاعتك، و إنما أمرنى أن أدخل المدينة ثم أكتب إلى صاحبي فإنه يأمرني بأمره، ففهم عباس مغزاه و لم يظهر له أنه فإن لذلك، فقال له: رأيك أفضل، فاعمل ما بدا لك. ثم نهض