البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٠ - ذكر مقتل شمر بن ذي الجوشن أمير السرية التي قتلت حسينا
في دار شبث بن ربعي و أجمعوا أمرهم على قتال المختار، ثم وثبوا فركبت كل قبيلة مع أميرها في ناحية من نواحي الكوفة، و قصدوا قصر الامارة، و بعث المختار عمرو بن ثوبة بريدا إلى إبراهيم بن الأشتر ليرجع إليه سريعا و بعث المختار إلى أولئك يقول لهم: ما ذا تنقمون؟ فانى أجيبكم إلى جميع ما تطلبون، و إنما يريد أن يثبطهم عن مناهضته حتى يقدم إبراهيم بن الأشتر، و قال: إن كنتم لا تصدقونني في أمر محمد بن الحنفية فابعثوا من جهتكم و أبعث من جهتي من يسأله عن ذلك، و لم يزل يطاولهم حتى قدم ابن الأشتر بعد ثلاث، فانقسم هو و الناس فرقتين، فتكفل المختار بأهل اليمن، و تكفل ابن الأشتر بمضر و عليهم شبث بن ربعي، و كان ذلك بإشارة المختار، حتى لا يتولى ابن الأشتر بقتال قومه من أهل اليمن فيحنو عليهم و كان المختار شديدا عليهم.
ثم اقتتل الناس في نواحي الكوفة قتالا عظيما و كثرت القتلى بينهم من الفريقين، و جرت فصول و أحوال حربية يطول استقصاؤها، و قتل جماعة من الأشراف، منهم عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الكندي، و سبعمائة و ثمانين رجلا من قومه، و قتل من مضر بضعة عشر رجلا، و يعرف هذا اليوم بجبانة السبيع، و كان ذلك يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة ست و ستين، ثم كانت النصرة للمختار عليهم، و أسر منهم خمسمائة أسير، فعرضوا عليه فقال: انظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين فاقتلوه، فقتل منهم مائتان و أربعون رجلا، و قتل أصحابه منهم من كان يؤذيهم و يسيء إليهم بغير أمر المختار، ثم أطلق الباقين، و هرب عمرو بن الحجاج الزبيدي، و كان ممن شهد قتل الحسين فلا يدرى أين ذهب من الأرض.
ذكر مقتل شمر بن ذي الجوشن. أمير السرية التي قتلت حسينا
و هرب أشراف الكوفة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير، و كان ممن هرب لقصده شمر بن ذي الجوشن قبحه اللَّه، فبعث المختار في أثره غلاما له يقال له زرنب، فلما دنا منه قال شمر لأصحابه:
تقدموا و ذروني وراءكم بصفة أنكم قد هربتم و تركتموني حتى يطمع في هذا العلج، فساقوا و تأخر شمر فأدركه زرنب فعطف عليه شمر فدق ظهره فقتله، و سار شمر و تركه، و كتب كتابا إلى مصعب بن الزبير و هو بالبصرة ينذره بقدومه عليه، و وفادته إليه، و كان كل من فرّ من هذه الوقعة يهرب إلى مصعب بالبصرة، و بعث شمر الكتاب مع علج من علوج قرية قد نزل عندها يقال لها الكلبانية عند نهر إلى جانب تل هناك، فذهب ذلك العلج فلقيه علج آخر فقال له: إلى أين تذهب؟ قال:
إلى مصعب. قال: ممن؟ قال: من شمر، فقال: اذهب معى إلى سيدي، و إذا سيّده أبو عمرة أمير حرس المختار، و هو قد ركب في طلب شمر، فدله العلج على مكانه فقصده أبو عمرة، و قد أشار أصحاب شمر عليه أن يتحول من مكانه ذلك، فقال لهم: هذا كله فرق من الكذاب، و اللَّه لا أرتحل من هاهنا