البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - ثم دخلت سنة ست و ستين
ابن طلحة، و بعث عبد اللَّه بن مطيع نائبا عليها، و بعث الحارث بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة نائبا على البصرة، فلما دخل عبد اللَّه بن مطيع المخزومي إلى الكوفة في رمضان سنة خمس و ستين، خطب الناس و قال في خطبته: إن أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير أمرنى أن أسير في فيئكم بسيرة عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان. فقام إليه السائب بن مالك الشيعي فقال: لا نرضى إلا بسيرة على بن أبى طالب التي سار بها في بلادنا، و لا نريد سيرة عثمان- و تكلم فيه- و لا سيرة عمر و إن كان لا يريد للناس إلا خيرا، و صدقه على ما قال بعض أمراء الشيعة، فسكت الأمير و قال: إني سأسير فيكم بما تحبون من ذلك، و جاء صاحب الشرطة و هو إياس بن مضارب البجلي إلى ابن مطيع فقال: إن هذا الّذي يرد عليك من رءوس أصحاب المختار، و لست آمن من المختار، فبعث إليه فاردده إلى السجن فان عيوني قد أخبرونى أن أمره قد استجمع له، و كأنك به و قد وثب في المصر. فبعث إليه عبد اللَّه ابن مطيع زائدة بن قدامة و أميرا آخر معه، فدخلا على المختار فقالا له: أجب الأمير. فدعا بثيابه و أمر بإسراج دابته، و تهيأ للذهاب معهما، فقرأ زائدة بن قدامة وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ الآية. فألقى المختار نفسه و أمر بقطيفة أن تلقى عليه، و أظهر أنه مريض، و قال: أخبرا الأمير بحالي، فرجعا إلى ابن مطيع فاعتذرا عنه، فصدقهما و لها عنه، فلما كان شهر المحرم من هذه السنة عزم المختار على الخروج لطلب الأخذ بثأر الحسين فيما يزعم، فلما صمم على ذلك اجتمعت عليه الشيعة، و ثبطوه عن الخروج الآن إلى وقت آخر، ثم أنفذوا طائفة منهم إلى محمد بن الحنفية يسألونه عن أمر المختار و ما دعا إليه، فلما اجتمعوا به كان ملخص ما قال لهم إنا لا نكره أن ينصرنا اللَّه بمن شاء من خلقه، و قد كان المختار بلغه مخرجهم إلى محمد بن الحنفية، فكره ذلك و خشي أن يكذبه فيما أخبر به عنه، فإنه لم يكن باذن محمد بن الحنفية، و هم بالخروج قبل رجوع أولئك، و جعل يسجع لهم سجعا من سجع الكهان بذلك، ثم كان الأمر على ما سجع به، فلما رجعوا أخبروه بما قال ابن الحنفية، فعند ذلك قوى أمر الشيعة على الخروج مع المختار بن أبى عبيد و قد روى أبو مخنف أن أمراء الشيعة قالوا للمختار: اعلم أن جميع أمراء الكوفة مع عبد اللَّه بن مطيع و هم إلب علينا، و إنه إن بايعك إبراهيم بن الأشتر النخعي وحده أغنانا عن جميع من سواه.
فبعث إليه المختار جماعة يدعونه إلى الدخول معهم في الأخذ بثأر الحسين، و ذكّروه سابقة أبيه مع على رضى اللَّه عنه، فقال: قد أجبتكم إلى ما سألتم، على أن أكون أنا ولى أمركم، فقالوا: إن هذا لا يمكن، لأن المهدي قد بعث لنا المختار وزيرا له و داعيا إليه، فسكت عنهم إبراهيم بن الأشتر فرجعوا إلى المختار فأخبروه، فمكث ثلاثا ثم خرج في جماعة من رءوس أصحابه إليه، فدخل على ابن الأشتر فقام إليه و احترمه و أكرمه و جلس إليه، فدعاه إلى الدخول معهم، و أخرج له كتابا على لسان ابن الحنفية