البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين
الناس و آمن عمرو بن العاص»
و قال أيضا: ثنا إسحاق بن منصور ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحيّ عن ابن أبى مليكة. قال قال طلحة بن عبيد اللَّه: سمعت رسول اللَّه يقول: «إن عمرو بن العاص من صالحي قريش»
و
في الحديث الآخر: «ابنا العاص مؤمنان»
و
في الحديث الآخر: «نعم أهل البيت عبد اللَّه و أبو عبد اللَّه و أم عبد اللَّه».
رووه في فضائل عمرو بن العاص. ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، و كانت له الآراء السديدة، و المواقف الحميدة، و الأحوال السعيدة. ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها و استنابه عليها، و أقره فيها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله كما قدمنا، و ولى عليها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، فاعتزل عمرو بفلسطين و بقي في نفسه من عثمان رضى اللَّه عنهما. فلما قتل سار إلى معاوية فشهد مواقفه كلها بصفين و غيرها، و كان هو أحد الحكمين. ثم لما أن استرجع معاوية مصر و انتزعها من يد محمد بن أبى بكر، استعمل عمرو بن العاص عليها فلم يزل نائبها إلى أن مات في هذه السنة على المشهور، و قيل إنه توفى سنة سبع و أربعين، و قيل سنة ثمان و أربعين. و قيل سنة إحدى و خمسين (رحمه اللَّه). و قد كان معدودا من دهاة العرب و شجعانهم و ذوى آرائهم. و له أمثال حسنة و أشعار جيدة. و قد روى عنه أنه قال: حفظت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ألف مثل، و من شعره:
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه* * * و لم ينه قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه و غادر سبة* * * إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
و قال الامام أحمد: حدثنا على بن إسحاق ثنا عبد اللَّه- يعنى ابن المبارك- أنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبى حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد اللَّه: لم تبكى؟ أ جزعا على الموت؟ فقال: لا و اللَّه و لكن مما بعد الموت، فقال له: قد كنت على خير، فجعل يذكره صحبة رسول اللَّه و فتوحه الشام، فقال عمرو: تركت أفضل من ذلك كله شهادة أن لا إله إلا اللَّه، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول قريش كافرا، و كنت أشد الناس على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلو مت حينئذ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كنت أشد الناس حياء منه، فما ملأت عيني من رسول اللَّه و لا راجعته فيما أريد حتى لحق باللَّه حياء، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم و كان على خير فمات عليه نرجو له الجنة. ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان و أشياء فلا أدرى عليّ أم لي، فإذا مت فلا تبكين على باكية، و لا يتبعني مادح و لا نار، و شدوا على إزاري فانى مخاصم، و شنوا على التراب شنا، فان جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر، و لا تجعلن في قبري خشبة و لا حجرا، و إذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور أستأنس بكم. و قد روى مسلم هذا الحديث في صحيحه من