البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - وقعة عين وردة
و استاقوا نعما، و أتى الخبر إلى عبيد اللَّه بن زياد فأرسل بين يديه الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا، فصبح سليمان بن صرد و جيشه واقفون في يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى، و حصين بن نمير قائم في اثني عشر ألفا، و قد تهيأ كل من الفريقين لصاحبه، فدعا الشاميون أصحاب سليمان إلى الدخول في طاعة مروان بن الحكم، و دعا أصحاب سليمان الشاميين إلى أن يسلموا إليهم عبيد اللَّه بن زياد فيقتلونه عن الحسين، و امتنع كل من الفريقين أن يجيب إلى ما دعا إليه الآخر، فاقتتلوا قتالا شديدا عامة يومهم إلى الليل، و كانت الدائرة فيه للعراقيين على الشاميين، فلما أصبحوا أصبح ابن ذي الكلاع و قد وصل إلى الشاميين في ثمانية عشرة ألف فارس، و قد أنّبه و شتمه ابن زياد، فاقتتل الناس في هذا اليوم قتالا لم ير الشيب و المرد مثله قط، لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل، فلما أصبح الناس من اليوم الثالث وصل إلى الشاميين أدهم بن محرز في عشرة آلاف، و ذلك في يوم الجمعة، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى حين ارتفاع الضحى، ثم استدار أهل الشام بأهل العراق و أحاطوا بهم من كل جانب، فخطب سليمان بن صرد الناس و حرضهم على الجهاد، فاقتتل الناس قتالا عظيما جدا، ثم ترجل سليمان بن صرد و كسر جفن سيفه و نادى يا عباد اللَّه، من أراد الرواح، إلى الجنة و التوبة من ذنبه و الوفاء بعهده فليأت إلى، فترجل معه ناس كثيرون و كسروا جفون سيوفهم، و حملوا حتى صاروا في وسط القوم. و قتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى خاضوا في الدماء، و قتل سليمان بن صرد أمير العراقيين، رماه رجل يقال له يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ثم وقع ثم وثب ثم وقع، و هو يقول: فزت و رب الكعبة، فأخذ الراية المسيب بن نجية فقاتل بها قتالا شديدا و هو يقول:-
قد علمت ميالة الذوائب* * * واضحة اللبات و الترائب
أنى غداة الروع و التغالب* * * أشجع من ذي لبدة مواثب
قصاع أقران مخوف الجانب
ثم قاتل قتالا شديدا فقضى ابن نجية نحبه، و لحق في ذلك الموقف صحبه (رحمهم اللَّه)، فأخذ الراية عبد اللَّه بن سعد بن نفيل فقاتل قتالا شديدا أيضا، و حمل حينئذ ربيعة بن مخارق على أهل العراق حملة منكرة، و تبارز هو و عبد اللَّه بن سعد بن نفيل، ثم اتحدا فحمل ابن أخى ربيعة على عبد اللَّه بن سعد فقتله. ثم احتمل عمه، فأخذ الراية عبد اللَّه بن وال، فحرض الناس على الجهاد و جعل يقول:
الرواح إلى الجنة- و ذلك بعد العصر- و حمل بالناس ففرق من كان حوله ثم قتل- و كان من الفقهاء المفتين- قتله أدهم بن محرز الباهلي أمير حرب الشاميين ساعتئذ، فأخذ الراية رفاعة بن شداد فانحاز بالناس و قد دخل الظلام، و رجع الشاميون إلى رحالهم، و انشمر رفاعة بمن بقي معه راجعا إلى بلاده، فلما أصبح الشاميون إذا العراقيون قد كروا راجعين إلى بلادهم، فلم يبعثوا وراءهم طلبا و لا أحدا