البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٣ - وقعة مرج راهط و مقتل الضحاك بن قيس الفهري رضى اللَّه عنه
إلى النعمان بن بشير فأمده النعمان بأهل حمص عليهم شرحبيل بن ذي الكلاع. و ركب إليه زفر ابن الحارث الكلابي في أهل قنسرين. فكان الضحاك في ثلاثين ألفا، على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي، و على ميسرته زكريا بن شمر الهلالي، فتصافوا و تقاتلوا بالمرج عشرين يوما، يلتقون بالمرج في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا، ثم أشار عبيد اللَّه على مروان أن يدعوهم إلى الموادعة خديعة فان الحرب خدعة، و أنت و أصحابك على الحق، و هم على الباطل، فنودي في الناس بذلك، ثم غدر أصحاب مروان فمالوا يقتلونهم قتالا شديدا، و صبر الضحاك صبرا بليغا، فقتل الضحاك بن قيس في المعركة، قتله رجل يقال له زحمة بن عبد اللَّه من بنى كلب، طعنه بحربة فأنفذه و لم يعرفه.
و صبر مروان و أصحابه صبرا شديدا حتى فر أولئك بين يديه، فنادى مروان: ألا لا تتبعوا مدبرا، ثم جيء برأس الضحاك، و يقال إن أول من بشره بقتله روح بن زنباع الجذامي، و استقر ملك الشام بيد مروان بن الحكم. و روى أنه بكى على نفسه يوم مرج راهط، فقال: أبعد ما كبرت و ضعفت صرت إلى أن أقتل بالسيوف على الملك؟
قلت: و لم تطل مدته في الملك إلا تسعة أشهر على ما سنذكره.
و قد كان الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان ابن محارب بن فهر بن مالك، أبو أنيس الفهري أحد الصحابة على الصحيح، و قد سمع من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و روى عنه أحاديث عدة، و روى عنه جماعة من التابعين، و هو أخو فاطمة بنت قيس و كانت أكبر منه بعشر سنين، و كان أبو عبيدة بن الجراح عمه. حكاه ابن أبى حاتم. و زعم بعضهم أنه لا صحبة له، و قال الواقدي: أدرك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و سمع منه قبل البلوغ. و في رواية عن الواقدي أنه قال: ولد الضحاك قبل وفاة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بسنتين. و قد شهد فتح دمشق و سكنها و له بها دار عند حجر الذهب مما يلي نهر بردا، و كان أميرا على أهل دمشق يوم صفين مع معاوية، و لما أخذ معاوية الكوفة استنابه بها في سنة أربع و خمسين. و قد روى البخاري في التاريخ أن الضحاك قرأ سورة ص في الصلاة فسجد فيها فلم يتابعه علقمة و أصحاب ابن مسعود في السجود. ثم استنابه معاوية عنده على دمشق فلم يزل عنده حتى مات معاوية و تولى ابنه يزيد، ثم ابن ابنه معاوية بن يزيد، ثم صار أمره إلى ما ذكرنا.
و قد قال الامام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة أنبأنا على بن زيد عن الحسن أن الضحاك بن قيس كتب إلى الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: السلام عليك أما بعد فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، فتنا كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح الرجل مؤمنا و يمسى كافرا، و يمسى مؤمنا و يصبح