البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٥ - و هذه ترجمة يزيد بن معاوية
يا مبتلى بالحب مقروحا* * * لاقى من الحب تباريحا
أفحمه الحب فما ينثني* * * إلا بكاس الحب مصبوحا
و صار ما يعجبه مغلقا* * * عنه و ما يكره مفتوحا
قد حازها من أصبحت عنده* * * ينال منها الشم و الريحا
خليفة اللَّه فسل الهوى* * * و عزّ قلبا منك مجروحا
قال: فأمسك الأحوص عن جوابه ثم غلبه و جده عليها فسار إلى يزيد فامتدحه فأكرمه يزيد و حظي عنده، فدست إليه سلامة خادماً و أعطته ما لا على أن يدخله إليها، فأخبر الخادم يزيد بذلك، فقال: امض لرسالتها، ففعل و أدخل الأحوص عليها و جلس يزيد في مكان يراهما و لا يريانه، فلما بصرت الجارية بالأحوص بكت إليه و بكى إليها، و أمرت فألقى له كرسي فقعد عليه، و جعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة شوقه إليه فلم يزالا يتحدثان إلى السحر، و يزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة، حتى إذا همّ الأحوص بالخروج قال:-
أمسى فؤادي في هم و بلبال* * * من حب من لم أزل منه على بال
فقالت:
صحا المحبّون بعد النأى إذ يئسوا* * * و قد يئست و ما أضحوا على حال
فقال:
من كان يسلو بيأس عن أخى ثقة* * * فعنك سلام ما أمسيت بالسالى
فقالت:
و اللَّه و اللَّه لا أنساك يا شجنى* * * حتى تفارق منى الروح أوصالي
فقال:
و اللَّه ما خاب من أمسى و أنت له* * * يا قرة العين في أهل و في مالي
قال: ثم و دعها و خرج، فأخذه يزيد و دعا بها فقال: أخبرانى عما كان في ليلتكما و أصدقاني، فأخبراه و أنشداه ما قالا، فلم يحرفا منه حرفا و لا غيرا شيئا مما سمعه، فقال لها يزيد: أ تحبينه؟
قالت: إي و اللَّه يا أمير المؤمنين
حبا شديدا جرى كالروح في جسدي* * * فهل يفرق بين الروح و الجسد؟
فقال له: أ تحبها؟ فقال: إي و اللَّه يا أمير المؤمنين
حبا شديدا تليدا غير مطرف* * * بين الجوانح مثل النار يضطرم
فقال يزيد: إنكما لتصفان حبا شديدا خذها يا أحوص فهي لك، و وصله صلة سنية. فرجع بها الأحوص إلى الحجاز و هو قرير العين. [و قد روى أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف و شرب الخمر و الغنا و الصيد و اتخاذ الغلمان و القيان و الكلاب و النطاح بين الكباش و الدباب و القرود، و ما من يوم إلا يصبح فيه مخمورا، و كان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال و يسوق به، و يلبس القرد قلانس الذهب، و كذلك الغلمان، و كان يسابق بين الخيل، و كان إذا مات القرد حزن عليه. و قيل: