البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - فصل في ذكر شيء من أشعاره التي رويت عنه
أحبهما و أبذل جل مالي* * * و ليس للائمى فيها عتاب
و لست لهم و إن عتبوا مطيعا* * * حياتي أو يعلينى التراب
و قد أسلم أبوها على يدي عمر بن الخطاب و أمره عمر على قومه، فلما خرج من عنده خطب إليه على بن أبى طالب أن يزوج ابنه الحسن أو الحسين من بناته، فزوج الحسن ابنته سلمى، و الحسين ابنته الرباب، و زوج عليا ابنته الثالثة، و هي المحياة بنت امرئ القيس في ساعة واحدة، فأحب الحسين زوجته الرباب حبا شديدا و كان بها معجبا يقول فيها الشعر، و لما قتل بكربلاء كانت معه فوجدت عليه وجدا شديدا، و ذكر أنها أقامت على قبره سنة ثم انصرفت و هي تقول:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما* * * و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر
و قد خطبها بعده خلق كثير من أشراف قريش فقالت: ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و و اللّه لا يؤوينى و رجلا بعد الحسين سقف أبدا. و لم تزل عليه كمدة حتى ماتت، و يقال إنها إنما عاشت بعده أياما يسيرة فاللَّه أعلم، و ابنتها سكينة بنت الحسين كانت من أجمل النساء حتى إنه لم يكن في زمانها أحسن منها فاللَّه أعلم.
و روى أبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب أن ابن زياد بعد مقتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة فلم ير عبيد اللَّه بن الحر بن يزيد، فتطلبه حتى جاءه بعد أيام فقال: أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضا، قال. مريض القلب أم مريض البدن؟ قال: أما قلبي فلم يمرض، و أما بدني فقد منّ اللَّه عليه بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت، و لكنك كنت مع عدونا، قال: لو كنت مع عدوك لم يخف مكان مثلي، و لكان الناس شاهدوا ذلك، قال: و عقل عن ابن زياد عقلة فخرج ابن الحر فقعد على فرسه. ثم قال: أبلغوه أنى لا آتيه و اللَّه طائعا فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قال:
خرج، فقال على به، فخرج الشرط في طلبه فأسمعهم غليظ ما يكرهون، و ترضى عن الحسين و أخيه و أبيه ثم أسمعهم في ابن زياد غليظا من القول ثم امتنع منهم و قال في الحسين و في أصحابه شعرا:-
يقول أمير غادر حق غادر* * * ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة
فيا ندمي أن لا أكون نصرته* * * لذو حسرة ما إن تفارق لازمه
سقى اللَّه أرواح الذين تبارزوا* * * على نصره سقيا من الغيث دائمة
وقفت على أجداثهم و قبورهم* * * فكان الحشى ينقض و العين ساجمه
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى* * * سراعا إلى الهيجا حماة حضارمه
تأسوا على نصر بن بنت نبيهم* * * بأسيافهم أسّاد غيل ضراغمه
فان يقتلوا تلك النفوس التقية* * * على الأرض قد أضحت لذلك واجمه