البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
لا يستطيعون أن يجوزوا منها و قد أحرقت. و جاء شمر بن ذي الجوشن قبحه اللَّه إلى فسطاط الحسين فطعنه برمحه- يعنى الفسطاط- و قال: ايتوني بالنار لأحرقه على من فيه، فصاحت النسوة و خرجن منه، فقال له الحسين: أحرقك اللَّه بالنار،
و جاء شبيث بن ربعي إلى شمر قبحه اللَّه فقال له: ما رأيت أقبح من قولك و لا من فعلك و موقفك هذا، أ تريد أن ترعب النساء؟ فاستحيى و هم بالرجوع و قال حميد بن مسلم: قلت لشمر سبحان اللَّه!! إن هذا لا يصلح لك، أ تريد أن تجمع على نفسك خصلتين؟ تعذب بعذاب اللَّه و تقتل الولدان و النساء؟ و اللَّه إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك. قال فقال لي: من أنت؟ قلت: لا أخبرك من أنا- و خشيت أنى إن أخبرته فعرفني أن يسوءنى عند السلطان-.
و شد زهير بن القين في رجال من أصحاب الحسين على شمر بن ذي الجوشن فأزالوه عن موقفه، و قتلوا أبا عزة الضبابي- و كان من أصحاب شمر- و كان الرجل من أصحاب الحسين إذا قتل بان فيهم الخلل، و إذا قتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبين ذلك فيهم لكثرتهم،
و دخل عليهم وقت الظهر فقال الحسين: مروهم فليكفوا عن القتال حتى نصلي، فقال رجل من أهل الكوفة: إنها لا تقبل منكم،
فقال له حبيب بن مطهر: ويحك!! أ تقبل منكم و لا تقبل من آل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟
[و قاتل حبيب قتالا شديدا حتى قتل رجلا يقال له بديل بن صريم من بنى عقفان و جعل يقول:
أنا حبيب و أبى مطهر* * * فارس هيجاء و حرب مسعر
أنتم أوفر عدة و أكثر* * * و نحن أوفى منكم و أصبر
و نحن أعلى حجة و أظهر* * * حقا و أبقى منكم و أطهر
ثم حمل على حبيب هذا رجل من بنى تميم فطعنه فوقع، ثم ذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير على رأسه بالسيف فوقع، و نزل إليه التميمي فاحتز رأسه و حمله إلى ابن زياد، فرأى ابن حبيب رأس أبيه فعرفه فقال لحامله: أعطني رأس أبى حتى أدفنه، ثم بكى. قال: فمكث الغلام إلى أن بلغ أشده ثم لم تكن له همة إلا قتل قاتل أبيه، قال: فلما كان زمن مصعب بن عمير دخل الغلام عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فدخل عليه و هو قائل فضربه بسيفه حتى برد.
و قال أبو مخنف: حدثني محمد بن قيس قال: لما قتل حبيب بن مطهر هدّ ذلك الحسين، و قال عند ذلك: أحتسب نفسي، و أخذ الحرّ يرتجز و يقول للحسين:
آليت لا تقتل حتى أقتلا* * * و لن أصاب اليوم إلا مقبلا
أضربهم بالسيف ضربا مقصلا* * * لأنا كلا عنهم و لا مهملا
ثم قاتل هو و زهير بن القين قتالا شديدا فكان إذا شد أحدهما حتى استلحم شد الآخر حتى