البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٢ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
فخرج فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك إلا هو خير منكما، ثم شد على يسار فكان كأمس الذاهب، فإنه لمشتغل به إذ حمل عليه سالم مولى ابن زياد فصاح به صائح قد رهقك العبد، قال: فلم ينتبه حتى غشيه فضربه على يده اليسرى فأمطار أصابعه، ثم مال على الكلبي فضربه حتى قتله و أقبل يرتجز و يقول:-
إن تنكرانى فأنا ابن كلب نسبي* * * بيتي في عليم حسبي
إني امرؤ ذو مروءة و غضب* * * و لست بالخوار عند الكرب
إني زعيم لك أم وهب* * * بالطعن فيهم مقدما و الضرب
ضرب غلام مؤمن بالرب
فأخذت أم وهب عمودا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداؤك أبى و أمى، قاتل دون الطيبين، ذرية محمد (عليه السلام)، فأقبل إليها يردها نحو النساء فأقبلت تجاذبه ثوبه، قالت: دعني أكون معك،
فناداها الحسين: انصرفي إلى النساء فاجلسى معهن فإنه ليس على النساء قتال، فانصرفت إليهن] [١] قال: و كثرت المبارزة يومئذ بين الفريقين و النصر في ذلك لأصحاب الحسين لقوة بأسهم، و أنهم مستميتون لا عاصم لهم إلا سيوفهم، فأشار بعض الأمراء على عمر بن سعد بعدم المبارزة، و حمل عمرو بن الحجاج أمير ميمنة جيش ابن زياد. و جعل يقول: قاتلوا من مرق من الدين و فارق الجماعة. فقال له الحسين: ويحك يا حجاج أ علي تحرض الناس؟ أ نحن مرقنا من الدين و أنت تقيم عليه؟ ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا من أولى بصلي النار. و قد قتل في هذه الحملة مسلم بن عوسجة، و كان أول من قتل من أصحاب الحسين فمشى إليه الحسين فترحم عليه، و هو على آخر رمق، و قال له حبيب بن مطهر: ابشر بالجنة، فقال له بصوت ضعيف: بشرك اللَّه بالخير. ثم قال له حبيب: لو لا أنى أعلم أنى على أثرك لا حقك لكنت أقضى ما توصي به، فقال له مسلم بن عوسجة:
أوصيك بهذا- و أشار إلى الحسين- إلى أن تموت دونه. قالوا: ثم حمل شمر بن ذي الجوشن بليسرة و قصدوا نحو الحسين فدافعت عنه الفرسان من أصحابه دفاعاً عظيما، و كافحوا دونه مكافحة بليغة، فأرسلوا يطلبون من عمر بن سعد طائفة من الرماة الرجالة، فبعث إليهم نحوا من خمسمائة، فجعلوا يرمون خيول أصحاب الحسين فعقروها كلها حتى بقي جميعهم رجالة، و لما عقروا جواد الحر ابن يزيد نزل عنه و في يده السيف كأنه ليث و هو يقول:
إن تعقروا بى فانا ابن الحر* * * أشجع من ذي لبد هزبر
و يقال إن عمر بن سعد أمر بتقويض تلك الأبنية التي تمنع من القتال من أتى ناحيتها، فجعل أصحاب الحسين يقتلون من يتعاطى ذلك، فأمر بتحريقها فقال الحسين: دعوهم يحرقونها فإنهم
[١] سقط من المصرية