البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٨ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، و كتب معه إليهم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن على إلى إخوانه من المؤمنين و المسلمين، سلام عليكم فانى أحمد إليكم اللَّه الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم و اجتماع ملئكم على نصرنا، و الطلب بحقنا، فنسأل اللَّه أن يحسن لنا الصنيع، و أن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، و قد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتموا أمركم وجدوا فانى قادم عليكم في أيامى هذه إن شاء اللَّه تعالى، و السلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته.
قال:
و كان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يقتل بسبع و عشرين ليلة، و مضمونه: أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله، و إن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا و السلام عليكم.
قال: و أقبل قيس بن مسهر الصيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد اللَّه بن زياد فقال له ابن زياد: اصعد إلى أعلا القصر فسب الكذاب ابن الكذاب على بن أبى طالب و ابنه الحسين، فصعد فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن هذا الحسين بن على خير خلق اللَّه، و هو ابن فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا رسوله إليكم، و قد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة، فأجيبوه و اسمعوا له و أطيعوا. ثم لعن عبيد اللَّه بن زياد و أباه، و استغفر لعلى و الحسين. فأمر به ابن زياد فألقى من رأس القصر فتقطع، و يقال بل تكسرت عظامه و بقي فيه بقية رمق، فقام إليه عبد الملك بن عمير البجلي فذبحه، و قال: إنما أردت إراحته من الألم، و قيل إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير و ليس به، و في رواية أن الّذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد اللَّه بن يقطر أخو الحسين من الرضاعة، فألقى من أعلى القصر و اللَّه أعلم.
ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة و لا يعلم بشيء مما وقع من الأخبار. قال أبو مخنف عن أبى على الأنصاري عن بكر بن مصعب المزني. قال: و كان الحسين لا يمر بماء من مياه العرب إلا اتبعوه، قال قال أبو مخنف عن أبى جناب عن عدي بن حرملة عن عبد اللَّه بن سليم و المنذر بن المشمعل الأسديين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين، فأدركناه و قد مر برجل من بنى أسد فهم الحسين أن يكلمه و يسأله ثم ترك، فجئنا ذلك الرجل فسألناه عن أخبار الناس فقال: و اللَّه لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل و هانئ بن عروة و رأيتهما يجران بأرجلهما في السوق.
قالا: فلحقنا الحسين فأخبرناه فجعل يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ مرارا. فقلنا له اللَّه اللَّه في نفسك. فقال: لا خير في العيش بعدهما.
قلنا: خار اللَّه لك. و قال له بعض أصحابه: و اللَّه ما أنت مثل مسلم بن عقيل و لو قد قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. و قال غيرهما: لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عقيل، وثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب و قالوا: لا و اللَّه