البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦ - خلافة الحسن بن على رضى اللَّه عنه و عن أبيه و أمه
لمعاوية، و يحقن الدماء بين المسلمين. فاصطلحوا على ذلك و اجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه و تفصيله، و قد لام الحسين لأخيه الحسن على هذا الرأى فلم يقبل منه، و الصواب مع الحسن رضى اللَّه عنه كما سنذكر دليله قريبا. و بعث الحسن بن على إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع و يطيع، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك، و خرج عن طاعتهما جميعا، و اعتزل بمن أطاعه ثم راجع الأمر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره. ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، و لهذا يقال له عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، و المشهور عند ابن جرير و غيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى و أربعين كما سنذكره إن شاء اللَّه، و حج بالناس في هذه السنة- أعنى سنة أربعين- المغيرة بن شعبة، و زعم ابن جرير فيما رواه عن إسماعيل بن راشد أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابا على لسان معاوية ليلى إمرة الحج عامئذ، و بادر إلى ذلك عتبة بن أبى سفيان، و كان معه كتاب من أخيه بإمرة الحج، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الامرة. و هذا الّذي نقله ابن جرير لا يقبل، لا يظن بالمغيرة رضى اللَّه عنه ذلك، و إنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل، فان الصحابة أجل قدرا من هذا، و لكن هذه نزغة شيعية. قال ابن جرير: و في هذه السنة بويع لمعاوية بايلياء- يعنى لما مات على- قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن على رضى اللَّه عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه و ما حاولوه، و إنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم و آرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، و لو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم اللَّه به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و سيد المسلمين، و أحد علماء الصحابة و حلمائهم و ذوى آرائهم. و الدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الّذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)
أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا»
و إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن على، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى و أربعين، و ذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، و هذا من دلائل النبوة (صلوات اللَّه و سلامه عليه و سلم تسليما).
و قد مدحه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على صنيعه هذا و هو تركه الدنيا الفانية، و رغبته في الآخرة الباقية، و حقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة و جعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد. و هذا المدح قد ذكرناه
و سنورده في حديث أبى بكرة الثقفي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صعد المنبر يوما و جلس الحسن بن على إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة و إليه أخرى ثم قال: «أيها الناس إن ابني هذا سيد، و سيصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» رواه البخاري.