البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٨ - إمارة يزيد بن معاوية و ما جرى في أيامه من الحوادث و الفتن
إلى الرمال و الجبال. فقال له: جزاك اللَّه خيرا فقد نصحت و أشفقت،
و سار الحسين إلى مكة فاجتمع هو و ابن الزبير بها، و بعث الوليد إلى عبد اللَّه بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن تختلف الناس و يقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك؟
فقال ابن عمر: لا أحب شيئا مما قلت، و لكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت، و كانوا يتخوّفونه.
و قال الواقدي: لم يكن ابن عمر بالمدينة حين قدم نعى معاوية، و إنما كان هو و ابن عباس بمكة فلقبهما و هما مقبلان منها الحسين و ابن الزبير، فقال: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية و البيعة ليزيد بن معاوية، فقال لهما ابن عمر: اتقيا اللَّه و لا تفرقا بين جماعة المسلمين، و قدم ابن عمر و ابن عباس إلى المدينة فلما جاءت البيعة من الأمصار بايع ابن عمر مع الناس، و أما الحسين و ابن الزبير فإنهما قدما مكة فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص فخافاه و قالا: إنا جئنا عواذا بهذا البيت.
و في هذه السنة في رمضان منها عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه، و أضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة، فقدم المدينة في رمضان، و قيل في ذي القعدة، و كان متآلها متكبرا، و سلط عمرو بن الزبير- و كان عدوا لأخيه عبد اللَّه- على حربه و جرده له، و جعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزبير.
و قد ثبت في الصحيحين أن أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد و هو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثا قام به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الغد من يوم الفتح، سمعته أذناى و وعاه قلبي حين تكلم به إنه حمد اللَّه و أثنى عليه و قال: «إن مكة حرمها اللَّه و لم يحرمها الناس، و إنه لم يحل القتال فيها لأحد كان قبلي، و لم تحل لأجد بعدي، و لم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم قد صارت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب».
و في رواية: «فان أحد ترخص بقتال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فيها فقولوا: إن اللَّه أذن لرسوله و لم يأذن لكم» فقيل لأبى شريح: ما قال لك؟ فقال: قال لي نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً و لا فاراً بدم، و لا فاراً بخربة.
قال الواقدي: ولى عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرو بن الزبير فتتبع أصحاب أخيه و من يهوى هواه، فضربهم ضربا شديدا حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزبير، و انه لا بد أن يأخذ أخاه عبد اللَّه في جامعة من فضة حتى يقدم به على الخليفة، فضرب المنذر بن الزبير، و ابنه محمد بن المنذر، و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث و عثمان بن عبد اللَّه بن حكيم بن حزام، و خبيب بن عبد اللَّه بن الزبير، و محمد بن عمار بن ياسر و غيرهم، ضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين جلدة، و فر منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي، و عبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس من مكة. ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلب ابن الزبير، و أنه لا يقبل منه و إن