البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٧ - إمارة يزيد بن معاوية و ما جرى في أيامه من الحوادث و الفتن
الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا و السلام. فلما أتاه نعى معاوية فظع به و كبر عليه، فبعث إلى مروان فقرأ عليه الكتاب و استشاره في أمر هؤلاء النفر، فقال: أرى أن تدعوهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة، فان أبو ضربت أعناقهم. فأرسل من فوره عبد اللَّه ابن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين و ابن الزبير- و هما في المسجد- فقال لهما: أجيبا الأمير، فقالا: انصرف الآن نأتيه، فلما انصرف عنهما
قال الحسين لابن الزبير: إني أرى طاغيتهم قد هلك، قال ابن الزبير: و أنا ما أظن غيره.
قال: ثم نهض حسين فأخذ معه مواليه و جاء باب الأمير فاستأذن فأذن له، فدخل وحده، و أجلس مواليه على الباب، و قال: إن سمعتم أمرا يريبكم فادخلوا، فسلم و جلس و مروان عنده، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب و نعى إليه معاوية، فاسترجع و قال:
رحم اللَّه معاوية، و عظم لك الأجر، فدعاه الأمير إلى البيعة
فقال له الحسين: إن مثلي لا يبايع سرا، و ما أراك تجتزي منى بهذا، و لكن إذا اجتمع الناس دعوتنا معهم فكان أمرا واحدا،
فقال له الوليد- و كان يحب العافية- فانصرف على اسم اللَّه حتى تأتينا في جماعة الناس. فقال مروان للوليد: و اللَّه لئن فارقك و لم يبايع الساعة ليكثرن القتل بينكم و بينه، فاحبسه و لا تخرجه حتى يبايع و إلا ضربت عنقه،
فنهض الحسين و قال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني؟ كذبت و اللَّه و أثمت.
ثم انصرف إلى داره، فقال مروان للوليد: و اللَّه لا تراه بعدها أبداً. فقال الوليد: و اللَّه يا مروان ما أحب أن لي الدنيا و ما فيها و أنى قتلت الحسين، سبحان اللَّه! أقتل حسينا أن قال لا أبايع؟
و اللَّه إني لأظن أن من يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة. و بعث الوليد إلى عبد اللَّه بن الزبير فامتنع عليه و ماطله يوما و ليلة، ثم إن ابن الزبير ركب في مواليه و استصحب معه أخاه جعفرا و سار إلى مكة على طريق الفرع، و بعث الوليد خلف ابن الزبير الرجال و الفرسان فلم يقدروا على رده، و قد قال جعفر لأخيه عبد اللَّه و هما سائران متمثلا بقول صبرة الحنظليّ:-
و كل بنى أم سيمسون ليلة* * * و لم يبق من أعقابهم غير واحد
فقال: سبحان اللَّه! ما أردت إلى هذا؟ فقال: و اللَّه ما أردت به شيئا يسوءك، فقال: إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إلى، قالوا و تطير به. و أما الحسين بن على فان الوليد تشاغل عنه بابن الزبير و جعل كلما بعث إليه يقول حتى تنظر و ننظر، ثم جمع أهله و بنيه و ركب ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة، بعد خروج ابن الزبير بليلة، و لم يتخلف عنه أحد من أهله سوى
محمد بن الحنفية، فإنه قال له: و اللَّه يا أخى لأنت أعز أهل الأرض على، و إني ناصح لك لا تدخلن مصراً من هذه الأمصار، و لكن اسكن البوادي و الرمال، و ابعث إلى الناس فإذا بايعوك و اجتمعوا عليك فادخل المصر، و إن أبيت إلا سكنى المصر فاذهب إلى مكة، فان رأيت ما تحب و إلا ترفعت