إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٧٣ - ٢٢ شرح إعراب سورة الحجّ
مرسلين، صلوات اللّه عليهم أجمعين. و غيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال: نبيّ حتى يكون مرسلا. و الدليل على صحة هذا قوله جلّ و عزّ: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ فأوجب للنبيّ الرسالة. و إنّ معنى نبيّ أنبأ عن اللّه جلّ و عزّ، و معنى أنبأ عن اللّه جلّ و عزّ هو الإرسال بعينه. و الجهة الأخرى التي فيها الإشكال الحديث المروي. قال أبو جعفر: و قد ذكرناه بإسناده و هو أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قرأ: «أ فرأيتم اللات و العزّى فإنّ شفاعتهم ترتجى» [١] و سها كذا في رواية الزّهري، و في رواية غيره «فإنهن الغرانيق العلى» . قال أبو جعفر: و هذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك أنّ الحديث ليس بمتصل الإسناد، و لو اتّصل إسناده و صحّ لكان المعنى فيه صحيحا. فأما معنى «و سها» فإنّ معناه و أسقط. و يكون تقديره أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى و تمّ الكلام، ثمّ أسقط و الغرانيق العلى، يعني الملائكة فإن شفاعتهم، يعود الضمير على الملائكة. فأمّا من روى «فإنّهنّ الغرانيق العلى» ففي روايته أجوبة عنها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، و يجوز أن يكون بغير حذف، و يكون توبيخا؛ لأن قبله أ فرأيتم فيكون هذا احتجاجا عليهم. فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة، و يجوز أن يكون الضمير للملائكة كما يضمر ما يعرف معناه فينسخ اللّه جلّ و عزّ ذلك لما فيه من الصلاح. و الذي فيه من الصلاح إزالة التمويه أن يموّه على قوم فيقال لهم: هذا الضمير للاّت و العزّى، فأنزل اللّه جلّ و عزّ وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ و في الآية قولان آخران: أحدهما أن يكون المعنى لمّا تلا أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى قال رجل ألقى الشيطان على لسانه: فإنهنّ الغرانيق العلى، و القول الآخر أنّ علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس في قوله اللّه جلّ و عزّ:
إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى قال: إذا تحدّث ألقى الرداءة الشيطان في أمنيته، قال: في حديثه فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ قال: فيبطل اللّه ما يلقي الشيطان. و هذا من أحسن ما قيل في الآية و أعلاه و أجلّه. و قد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا.
و المعنى عليه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول له: لو سألت اللّه جلّ و عزّ أن يغنّمك كذا ليتّسع المسلمون، و يعلم اللّه جلّ و عزّ الصّلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان، كما قال ابن عباس و حكى الكسائي و الفراء [٢] جميعا تمنّى إذا حدّث نفسه. و هذا هو المعروف في اللغة. و قد حكيا أيضا تمنّى إذا تلا، و روي ذلك عن الضحاك.
[١] انظر تفسير القرطبي ١٢/٨٠.
[٢] انظر معاني الفراء ٢/٢٢٩.