إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٦٠ - ٣٦ شرح إعراب سورة يس
الكلام حذف على قراءة الجماعة فالتقدير: إنا جعلنا في أعناقهم و في أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، و العرب تحذف مثل هذا، و نظيره سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ [النحل: ٨١]فتقديره: و سرابيل تقيكم البرد فحذف لأن ما وقى الحرّ وقى البرد، و لأنّ الغل إذا كان في العنق فلا بد من أن يكون في اليد و لا سيما و قد قال جلّ و عزّ: فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقََانِ فقد أعلم اللّه جلّ و عزّ أنها يراد بها الأيدي. فَهُمْ مُقْمَحُونَ أجلّ ما روي فيه ما حكاه عبد اللّه بن يحيى أن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أراهم الأقماح فجعل يديه تحت لحيته و ألصقهما و رفع رأسه. قال أبو جعفر: و كان هذا مأخوذا مما حكاه الأصمعي قال: يقال أكمحت الدّابّة إذا جذبت لجامها لترف رأسها. قال أبو جعفر: و القاف مبدلة من الكاف لقربها منها، كما يقال:
قهرته و كهرته. قال الأصمعي: و يقال: أكفحت الدابة إذا تلقّيت فاها باللجام لتضربه به. مشتقّ من قولهم: لقيته كفاحا أي وجها لوجه، و كفحت الدابّة بغير ألف إذا جذبت عنانها لتقف و لا تجري.
قال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أبو جهل و أميّة بن خلف يراصدون النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ليبلغوا من أذاه فخرج عليهم يقرأ أول «يس» و في يده تراب فرماهم به، و قرأ وَ جَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مرّ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و قد قيل إن هذا تمثيل كما يقال: فلان حمار أي لا يبصر الهدى، كما يقال: [البسيط] ٣٥٩-
لهم عن الرشد أغلال و أقياد [١]
و قراءة ابن عباس و عكرمة و يحيى بن يعمر و عمر بن عبد العزيز فَأَغْشَيْنََاهُمْ [٢]
قال أبو جعفر: القراءة بالغين أشبه بنسق الكلام، و يقال: غشيه الأمر و أغشيته إياه فأما فأغشيناهم فإنّما يقال لمن ضعف بصره حتى لا يبصر بالليل، أو لمن فعل فعله، كما قال: [الطويل] ٣٦٠-
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد [٣]
قال قتادة: فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ الهدى.
[١] الشاهد للأفوه الأودي في ديوانه ص ١٠.
[٢] انظر البحر المحيط ٧/٣١٢.
[٣] مرّ الشاهد رقم (٦٩) .