إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٩٨ - ٣٧ شرح إعراب سورة الصّافات
فقالوا: إنّ له بينة فأرسلوا معه فأتى الشجرة و البقعة فقال لهما: نشدتكما باللّه جلّ و عزّ أشهدكما يونس صلّى اللّه عليه و سلّم قالتا: نعم، قال: فرجع القوم مذعورين. يقولون: شهدت له الشجرة و الأرض فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا، قال عبد اللّه: فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه فقال: أنت أحقّ بهذا المكان منّي، قال عبد اللّه: فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. فقد تبيّن في هذا الحديث أن يونس صلّى اللّه عليه كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. و فيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس صلّى اللّه عليه آمنوا و ندموا قبل أن يروا العذاب لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كلّ والدة و ولدها، و الفاء في اللغة تدلّ على أن الثاني يلي الأول فكان حكم اللّه جلّ و عزّ فيهم كحكمه في غيرهم في قوله جلّ و عزّ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [غافر: ٨٥]، و قال جلّ ثناؤه وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ [النساء: ١٨]الآية و قد قال بعض العلماء: إنهم رأوا مخايل العذاب فتابوا. قال أبو جعفر: و هذا لا يمتنع فأما قوله عزّ و جلّ: إِلاََّ قَوْمَ يُونُسَ [يونس: ٩٨]فهو استثناء ليس من الأول. و قد ذكرنا معنى أَوْ يَزِيدُونَ و قول الفراء [١] أنها بمعنى «بل» ، و قول غيره أنها بمعنى الواو. و أنه لا يصحّ هذان القولان، لأن «بل» ليس هذا من مواضعها، لأنها للإضراب عن الأول و الإيجاب لما بعده. و تعالى اللّه عز و جل عن ذلك أو الخروج من شيء إلى شيء، و ليس هذا موضع ذلك. و الواو معناها خلاف معنى «أو» فلو كانت إحداهما بمعنى الأخرى لبطلت المعاني، و لو جاز ذلك لكان و أرسلناه إلى أكثر من مائة ألف أخصر، و في الآية قولان سوى هذين: أحدهما أنّ المعنى و أرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، و إنّما خوطب العباد على ما تعرفون، و القول الآخر أنه كما تقول: جاءني زيد أو عمرو، و أنت تعرف من جاءك منهما إلاّ أنك أبهمت على المخاطب.
و في قراءة ابن مسعود فآمنوا فمتعناهم حتى حين [٢] و المعنى واحد.
فَاسْتَفْتِهِمْ قال أبو إسحاق: أي فاسألهم سؤال توبيخ و تقرير أَ لِرَبِّكَ اَلْبَنََاتُ وَ لَهُمُ اَلْبَنُونَ لأن معنى «فاستفتهم» فقل لهم.
إِنََاثاً جمع أنثى. قال أبو إسحاق: «أم» بمعنى: أبل. وَ هُمْ شََاهِدُونَ ابتداء و خبر في موضع الحال.
[١] انظر معاني الفراء ٢/٣٩٣.
[٢] انظر معاني الفراء ٢/٣٩٣.