تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٤٨٢ - الباب الرابع في ذكر ورعه و زهادته و خوفه و عبادته عليه السلام
و اللّه غزير الدّمعة، كثير الفكرة[١]، يقلّب كفّه، و يخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما خشن، و من الطّعام ما جشب، كان و اللّه كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، و يبتدئنا إذا أتيناه، و يأتينا إذا دعوناه، و نحن و اللّه مع قربه منّا و دنوّه إلينا[٢] لا نكلّمه هيبة له، و لا نبتديه لعظمته[٣]، فإن تبسّم[٤] فعن مثل اللّؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدّين، و يحبّ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، و لا ييأس الضّعيف من عدله.
فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه ليلة، و قد أرخى اللّيل سدوله[٥]، و غارت نجومه، و قد مثل قائما في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السّليم، و يبكي بكاء الحزين، و كأنّي أسمعه، و هو يقول:
«يا دنيا غرّي غيري، أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت[٦]؟ هيهات هيهات! قد أبنتك[٧] ثلاثا لا رجعة لي فيك، فأمرك قصير، و عيشك حقير، و خطرك كبير[٨]، آه من قلّة الزّاد، و بعد السّفر، و وحشة الطّريق».
قال: فذرفت دموع معاوية على خدّيه و لحيته، فلم يملك ردّها و هو ينشفها بكمّه، و قد اختنق القوم بالبكاء.
[١] - خ: طويل الفكرة.
[٢] - ض: و قربه إلينا.
[٣] - أ و ك و م: لعظمه.
[٤] - ج و ش و م: إن تبسّم.
[٥] - كذا في ك و م و خ ل بهامش ط، و مثله في أكثر المصادر، و في أ و ج و ش: و قد أرخى الليل سجوفه. السجف:
الستر. السدل، جمع أسدال و سدول و أسدل: الستر. يقال: أرخى الليل سدوله، أي أرسل أستار ظلمته.
[٦] - ج و ط: تشوّفت.
تشوّف: تزيّن.
[٧] - أ و ج و ش: بتتّك.
[٨] - خ: و خطرك كثير.