تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٤٣٦ - حديث انفصال الحكمين عن دومة الجندل
و لكنّك قد غمسته معك في هذه الفتنة.
فقال عمرو: قد أردتك على أن تبايع معاوية فأبيت، فهلمّ بنا نخلع عليّا و معاوية، و نجعل الأمر شورى، يختار المسلمون من شاءوا، و قيل: إنّ الذي ابتدأ بذلك[١] أبو موسى، فقال عمرو: نعم ما رأيت، فأخبر النّاس إنّا قد اتّفقنا على أمر فيه صلاح هذه الأمّة، فقال عمرو: صدق، ثمّ قال: يا أبا موسى، قم فتكلّم، فقال أبو موسى: قم أنت، فقال: أنت صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لا يسعني الكلام قبلك، فقال له ابن عبّاس: ويحك، يا عبد اللّه بن قيس! و اللّه إنّي لأظنّ ابن النّابغة[٢] قد خدعك، و كان أبو موسى رجلا مغفّلا، فقال: إنّا قد اتّفقنا، و تقدّم، فقال: أيّها النّاس، إنّا نظرنا في هذا الأمر فلم نر أصلح للأمّة من خلع عليّ و معاوية و نستقبل الأمّة بهذا الأمر فيولّوا عليهم من أحبّوا، و إنّي قد خلعتهما، ثمّ تنحّى و قام عمرو فقال: إنّ هذا قد خلع صاحبه كما قد سمعتم و قد خلعته أيضا و أثبت صاحبي معاوية.
فقال له أبو موسى: مالك! لا وفّقك اللّه- أو لعنك اللّه- غدرت و فجرت، إنّما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث[٣]، فقال عمرو: إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا[٤]، و حمل شريح بن هانئ على عمرو فقنّعه بالسّوط، و كان شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت على شيء كندامتي على أنّي لم أضرب عمرا بالسّيف، و تفرّق النّاس، و ركب أبو موسى راحلته و مضى إلى مكّة، فقال ابن عبّاس: قبحك اللّه يا ابن قيس، لقد حذّرتك غدرة الفاسق الخبيث فأبيت، فقال
[١] - ب: بدء بذلك.
[٢] - ع: أظنّ أنّ ابن النّابغة.
[٣] - اقتباس من الآية ١٧٦ من سورة الأعراف.
[٤] - اقتباس من الآية ٥ من سورة الجمعة.