تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٥١٩ - فصل و من كلامه عليه السلام في المواعظ و الدقائق
يأتمر، و ينهى و لا ينتهي، يحبّ الصّالحين و لا يعمل بعملهم، و يبغض العاصين و هو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، و يقيم على ما يكره اللّه منه، تعجبه نفسه إذا عوفي، و يقنط إذا ابتلي.
إن أصابه بلاء دعا مضطرّا، و إن ناله رخاء اعترض[١] مغترّا، تغلبه نفسه على ما يظنّ، و لا يغلبها على ما يستيقن، إن استغنى بطر، و إن افتقر قنط[٢]، يقدّم المعصية، و يسوّف بالتّوبة، يصف العبر و لا يعتبر، و يبالغ في الموعظة و لا يتّعظ، فهو من القول مكثر، و من العمل مقلّ، ينافس فيما يفنى، و يسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما[٣] و الغرم مغنما[٤]، يخشى الموت، و لا يبادر الفوت، يستعظم من معاصي غيره ما يستقلّه من معاصي نفسه، و يستكثر من طاعته ما يحتقره[٥] من طاعة غيره، فهو على النّاس طاعن، و لنفسه مداهن، اللّغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر مع الفقراء، يرشد غيره، و يغوي نفسه، أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ[٦].
[١] - أ و م: أعرض. و مثله في نهج البلاغة.
[٢] - في هامش م: قنط و ضجر. و في نهج البلاغة و تحف العقول: قنط و وهن.
[٣] - ج و ش و ض و م: يرى المغنم مغرما.
[٤] - ج و م: و المغنم مغنما. ش: و يرى المغرم مغنما.
[٥] - ش و م: ما يحتقر.
[٦] - البقرة: ٢/ ٤٤.
رواها السيّد الرضيّ في الحكمة ١٥٠ من قصار كلماته عليه السّلام من نهج البلاغة مع مغايرات، و قال في ذيله: و لو لم يكن في هذا الكتاب إلّا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة، و حكمة بالغة، و بصيرة لمبصر، و عبرة لناظر مفكّر.
و رواها أيضا ابن شعبة الحرّاني في تحف العقول ص ١١٠ في عنوان:« موعظته عليه السّلام و وصفه المقصّرين» بصورة أطول، و المتّقي الهندي في كنز العمّال ١٦/ ٢٠٥ الرقم ٤٤٢٢٩ عن ابن النجّار بسنده إلى زياد الأعرابي يقول: صعد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب منبر الكوفة بعد الفتنة و فراغه من النهروان، فحمد اللّه و خنقته العبرة، فبكى حتّى اخضلّت لحيته بدموعه و جرت، ثمّ نفض لحيته، فوقع رشاشها على ناس من أناس، فكنّا-- نقول: إنّ من أصابه من دموعه فقد حرّمه اللّه على النّار، ثمّ قال:« يا أيّها النّاس، لا تكونوا ...».
و رواها أيضا ابن حمدون في التذكرة الحمدونيّة ١/ ٧٥ برقم ١١٤.
و رواها أيضا الشّيخ المفيد في الحديث ٢ من المجلس ٣٩ من أماليه ص ٣٢٩، و الشّيخ الطوسي في المجلس ٤ من أماليه ١/ ١١٠ مع زيادة و اختلاف في بعض الألفاظ، ناسبين إلى عبد اللّه بن عبّاس.