تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٣٩٤ - فصل في رجوع عائشة رضي الله عنها إلى المدينة
و بعث معها أخاها عبد الرحمان في ثلاثين رجلا و عشرين امرأة[١]، من أشراف البصرة و ذوات الدّين من همدان و عبد القيس، و ألبسهنّ العمائم، و قلّدهنّ السّيوف بزيّ الرّجال، و قال لهنّ: «لا تعلمنها أنّكنّ نسوة، و تلثّمن و كنّ حولها، و لا يقربنّها رجل»، و سرن معها على هذا الوصف، فلمّا وصلت إلى المدينة قيل لها: كيف كان مسيرك؟ فقالت: بخير، و اللّه لقد أعطى فأكثر، و لكنّه بعث رجالا معي أنكرتهم، فبلغ ذلك النّسوة، فجئن إليها، و عرّفنها أنّهنّ نسوة، فسجدت و قالت: و اللّه يا ابن أبي طالب ما ازددت إلّا كرما، وددت أنّي لم أخرج هذا المخرج، و أنّي أصابني كيت و كيت[٢].
و قال هشام بن [محمّد] الكلبي: [لمّا وصلت عائشة إلى المدينة خرج إليها النّساء، فبكت حتّى غشي عليها]، و كانت عائشة إذا ذكرت يوم الجمل بكت حتّى تبلّ خمارها، و تأخذ بحلقها كأنّها تخنق نفسها [و تقول: وددت أنّي متّ قبل ذلك بعشرين سنة]، و كانت إذا ذكرت أمّ سلمة تذكر نهيها و تبكي[٣].
[١] - في تاريخ الطّبري ٤/ ٥٤٤ و كتاب الجمل للمفيد ص ٢٢١ و الإمامة و السياسة ١/ ٧٣ و الكامل ٣/ ٢٥٨ و البداية و النهاية ٧/ ٢٥٧: أربعون امرأة. و في تاريخ اليعقوبي ٢/ ١٨٣: سبعون.
[٢] - انظر المصادر المتقدّمة، و مروج الذهب ٢/ ٣٧٠، و بحار الأنوار ٣٢/ ٢٧٤ ح ٢١٣، و الفتوح لابن أعثم الكوفي ٢/ ٣٤١ في عنوان:« ذكر انصراف عائشة من البصرة إلى المدينة».
[٣] - ما بين المعقوفات من خ، و فيها: و كانت إذا رأت أم سلمة تبكي و تذكر نصيحتها.
قال ابن أعثم الكوفي في الفتوح ٢/ ٣٤١ في عنوان:« ذكر انصراف عائشة من البصرة إلى المدينة»: ثمّ دخلت عائشة المدينة و صارت إلى منزلها نادمة على ما كان منها ... فكانت عائشة إذا ذكرت يوم الجمل تبكي لذلك بكاء شديدا، ثمّ تقول: يا ليتني لم أشهد ذلك المشهد! يا ليتني متّ قبل هذا بعشرين سنة.
ثمّ قالت عائشة: و لو لم أشهد الجمل لكان أحبّ إليّ من أن يكون لي من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مثل ولد عبد الرحمان بن الحارث، فإنّه كان له عشرة أولاد ذكورا كلّ يركب.
و روى البلاذري في ترجمة عليّ عليه السّلام من أنساب الأشراف ٢/ ٢٦٥ في حرب الجمل تحت الرقم ٣٤٣ بإسناده-- إلى خالد بن سمين أنّ عائشة قالت: ... ما أنا و طلحة و الزّبير و بيعة من بويع و حرب من حورب، يا ليتني قررت في بيتي، و لكنّها بليّة جاءت بمقدار!!
و في ص ٢٦٦ ح ٣٤٤ روى بإسناده إلى عليّ بن عمرو الثقفي قال: قالت عائشة: و اللّه لأن أكون جلست عن مسيري[ كان] أحبّ إليّ من أن يكون لي عشرة بنين من رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم مثل ولد الحارث بن هشام.
و في الحديث ٣٤٥، روى بإسناده إلى أبي الضحى قال: حدّثني من سمع عائشة تقرأ: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ[ ٣٣/ الأحزاب] فتبكي حتى تبلّ خمارها.
و لاحظ أيضا ما رواه البيهقي في المحاسن و المساوئ ص ٣٣٧- ٣٣٨ في عنوان:« محاسن الندامة»، و محمّد بن سليمان الكوفي في مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ٢/ ٣٤٧ ح ٨٢٣- ٨٢٤، و ابن أبي الحديد في شرح المختار ١٣ من باب الخطب من شرح نهج البلاغة ١/ ٢٦٤ في عنوان:« من أخبار يوم الجمل».