تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٢٤ - ٢ - كلمات العلماء في حقه
عاصره، و كثيرا ممّن تقدّمه، حتّى أنّه كان يتكلّم في المجلس الكلمات اليسيرة المعدودة، أو ينشد البيت الواحد من الشّعر، فيحصل لأهل المجلس من الخشوع و الاضطراب و البكاء ما لا مزيد عليه، فيقتصر على ذلك القدر اليسير و ينزل.
فكانت مجالسه نزهة القلوب و الأبصار، يحضرها الصّلحاء و العلماء و الملوك و الأمراء و الوزراء و غيرهم، و لا يخلو المجلس من جماعة يتوبون و يرجعون إلى اللّه تعالى، و في كثير من المجالس يحضر من يسلم من أهل الذّمّة، فانتفع بحضور مجالسه خلق كثير.
و كان النّاس يبيتون ليلة المجلس في جامع دمشق، و يتسابقون على المواضع يجلسون فيها، لكثرة من يحضر مجالسه، و كان يجري فيها من الطّرف و الوقائع المستحسنة و الملح الغريبة ما لا يجري في مجالس غيره ممّن عاصره و تقدّم عصره أيضا.
و كان له الحرمة الوافرة، و الوجاهة العظيمة عند الملوك و غيرهم من الأمراء و الأكابر، و لا ينقطعون عن التردّد إليه، و هو يعاملهم بالفراغ منهم و ممّا في أيديهم، و ينكر عليهم فيما يبدو منهم من الأمور التي يتعيّن فيها الإنكار، و هم يتطفّلون عليه.
و كان في أوّل أمره حنبليّ المذهب، فلمّا تكرّر اجتماعه بالملك المعظّم عيسى ابن الملك العادل رحمهما اللّه اجتذبه إليه و نقله إلى مذهب أبي حنيفة رحمة اللّه عليه.
و كان الملك المعظّم شديد التّغالي في مذهب أبي حنيفة فغضّ ذلك الشّيخ شمس الدّين عند كثير من النّاس و انتقدوه عليه ... و مع ذلك كان يعظّم الإمام أحمد رحمة اللّه عليه، و يبالغ في المغالاة فيه و توفيته بعض ما يستحقّ.
و عندي أنّه لم ينتقل عن مذهبه إلّا في الصّورة الظّاهرة، و اللّه أعلم.
و مع هذا فكان له القبول التّام من الخاصّ و العامّ من أهل الدّنيا و أهل الآخرة.