تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ١٣٠ - فصل في كناه ع
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ[١]، فلمّا ولّي بعده يزيد بن عبد الملك[٢] لم يتعرّض لسبّه، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما لنا و لهذا؟! و استمرّ الحال.
و قيل: إنّ الوليد بن يزيد[٣] أعاد السبّ، و قيل: إنّ بعض بني أميّة كان يقول:
|
اللّهمّ صلّ على معاوية وحده |
لقد لقينا من عليّ جهده[٤] |
|
[١] - النحل: ١٦/ ٩٠.
[٢] - هو يزيد بن عبد الملك بن مروان، أبو خالد القرشي الأموي الدمشقي، ولد سنة ٧١، كان لا يصلح للإمامة، مصروف الهمّة إلى اللهو و الغواني، مات في سنة ١٠٥.( سير أعلام النبلاء ٥/ ١٥٠ رقم ٥٣).
[٣] - هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، أبو العبّاس الدمشقي الأموي، ولد سنة ٩٠، و قيل: ٩٢، قال المعافى: جمعت من أخبار الوليد و شعره الذي ضمّنه ما فجر به من خرقه و سخفه و حمقه، و ما صرّح به من الإلحاء في القرآن و الكفر باللّه! مات في سنة ١٢٦، و نقل عنه المسعودي مصائب!( سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٧٠ رقم ١٦٨).
[٤] - قال ابن أبي الحديد في شرح المختار ٥٦ من باب الخطب من شرح نهج البلاغة ٤/ ٥٦: إنّ معاوية أمر الناس بالعراق و الشام و غيرهما بسبّ علي عليه السّلام و البراءة منه، و خطب بذلك على منابر الإسلام، و صار ذلك سنّة في أيّام بني أميّة إلى أن قام عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه فأزاله.
و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللّهمّ إنّ أبا تراب ألحد في دينك، و صدّ عن سبيلك فالعنه لعنا و بيلا! و عذّبه عذابا أليما!! و كتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر، إلى خلافة عمر بن عبد العزيز.
و ذكر أبو عثمان أيضا أنّ هشام بن عبد الملك لمّا حجّ خطب بالموسم، فقام إليه إنسان فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا يوم كانت الخلفاء تستحبّ فيه لعن أبا تراب! فقال: اكفف، فما لهذا جئنا.
و ذكر المبرّد في الكامل أنّ خالد بن عبد اللّه القسري لمّا كان أمير العراق في خلافة هشام، كان يلعن عليّا عليه السّلام على المنبر فيقول: اللّهمّ العن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، صهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و على ابنته، و أبا الحسن و الحسين! ثمّ يقبل على الناس فيقول: هل كنّيت!
و روى أبو عثمان أيضا أنّ قوما من بني أميّة قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إنّك قد بلغت ما أمّلت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل! فقال: لا و اللّه حتّى يربو عليه الصغير، و يهرم عليه الكبير، و لا يذكر له ذاكر فضلا! ...-- و أمر المغيرة بن شعبة- و هو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية- حجر بن عدي أن يقوم في الناس فليلعن عليّا عليه السّلام، فأبى ذلك، فتوعّده، فقام فقال: أيّها الناس، إنّ أميركم أمرني أن ألعن عليّا، فالعنوه! فقال أهل الكوفة: لعنه اللّه، و أعاد الضمير إلى المغيرة بالنيّة و القصد.
و أراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من عليّ عليه السّلام و لعنه و أن يقتل كلّ من امتنع من ذلك، و يخرّب منزله، فضربه اللّه ذلك اليوم بالطاعون، فمات- لا رحمه اللّه- بعد ثلاثة أيّام، و ذلك في خلافة معاوية.
و كان الحجّاج- لعنه اللّه- يلعن عليّا عليه السّلام، و يأمر بلعنه، و قال له متعرّض به يوما و هو راكب: أيّها الأمير، إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّا، فغيّر اسمي، وصلني بما أتبلّغ به فإنّي فقير، فقال: للطف ما توصلت به قد سميّتك كذا، و وليتك العمل الفلاني فاشخص إليه.
فأمّا عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه فإنّه قال: كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود، فمرّ بي يوما و أنا ألعب مع الصبيان، و نحن نلعن عليّا، فكره ذلك و دخل المسجد، فتركت الصبيان و جئت إليه لأدرس عليه وردي، فلمّا رآني قام فصلّى و أطال في الصلاة- شبه المعرض عنّي- حتّى أحسست منه بذلك، فلمّا انفتل من صلاته كلح في وجهي، فقلت له: ما بال الشيخ؟ فقال لي: يا بنيّ، أنت اللاعن عليّا منذ اليوم؟ قلت: نعم، قال:
فمتى علمت أنّ اللّه سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟! فقلت: يا أبت، و هل كان عليّ من أهل بدر؟ فقال:
ويحك! و هل كانت بدر كلّها إلّا له؟ فقلت: لا أعود، فقال: اللّه أنّك لا تعود! قلت: نعم، فلم ألعنه بعدها.
ثمّ كنت أحضر تحت منبر المدينة، و أبي يخطب يوم الجمعة- و هو حينئذ أمير المدينة- فكنت أسمع أبي يمرّ في خطبه تهدر شقاشقه، حتّى يأتي إلى لعن عليّ عليه السّلام فيجمجم، و يعرض له من الفهاهة و الحصر ما اللّه عالم به، فكنت أعجب من ذلك، فقلت له يوما: يا أبت، أنت أفصح الناس و أخطبهم، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك، حتّى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عليّا! فقال: يا بني، إنّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام و غيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد. فوقرت كلمته في صدري، مع ما كان قاله لي معلّمي أيّام صغري، فأعطيت اللّه عهدا، لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيّرنّه، فلمّا منّ اللّه عليّ بالخلافة أسقطت ذلك، و جعلت مكانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ النحل: ٩٠]، و كتب به إلى الآفاق فصار سنّة ...
و كان عبد اللّه بن الزبير يبغض عليّا عليه السّلام و ينتقصه و ينال من عرضه.
و روى عمر بن شبّة و ابن الكلبي و الواقدي و غيرهم من رواة السير، أنّه مكث أيّام ادّعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و قال: لا يمنعني من ذكره إلّا أن تشمخ رجال بآنافها.
و في رواية محمّد بن حبيب و أبي عبيدة معمر بن المثنى، أنّ له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره ...-- و ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي أنّ معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السّلام تقتضي الطعن فيه و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة، و من التابعين عروة بن الزبير.
أقول: ثمّ ذكر نموذجا من تلك الأحاديث المختلقة فراجعه البتة فإنّه يوضح لك وزن رواياتهم.
و قال المسعودي في ذكر أيّام معاوية من مروج الذهب ٣/ ٣٢: و ذكر بعض الأخباريين أنّه قال لرجل من أهل الشام من زعمائه و أهل الرأي و العقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصّا من لصوص الفتن.
و روى ياقوت الحموي في عنوان:« سجستان» من كتاب معجم البلدان ٣/ ١٩٠ قال: لعن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه على منابر الشرق و الغرب، و لم يلعن على منبر سجستان إلّا مرّة، و امتنعوا على بني أميّة حتّى زادوا في عهدهم: و أن لا يلعن على منبرهم أحد.
ثمّ قال ياقوت: و أيّ شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على منبرهم و هو يلعن على منابر الحرمين مكّة و المدينة؟
و قال ابن عبد ربّه في عنوان:« أخبار معاوية» من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء و تواريخهم من العقد الفريد ٤/ ٣٣٥: لمّا مات الحسن بن علىّ حجّ معاوية، فدخل المدينة و أراد أن يلعن عليّا على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقيل له: إنّ هاهنا سعد بن أبي وقّاص، و لا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه و خذ رأيه.
فأرسل إليه و ذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لأخرجنّ من المسجد، ثمّ لا أعود إليه.
فأمسك معاوية عن لعنه حتّى مات سعد. فلمّا مات لعنه على المنبر، و كتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا.
فكتبت أمّ سلمة زوج النبيّ صلى اللّه عليه و سلم إلى معاوية: إنّكم تلعنون اللّه و رسوله على منابركم، و ذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب و من أحبّه، و أنا أشهد أنّ اللّه أحبّه و رسوله. فلم يلتفت إلى كلامها.
و قال بعض العلماء لولده: يا بني، إنّ الدنيا لم تبن شيئا إلّا هدمه الدين، و إنّ الدين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا، ألا ترى أنّ قوما لعنوا عليّا ليخفضوا منه فكأنّما أخذوا بناصيته جرّا إلى السماء؟!
و قال العلّامة الأميني في الغدير ٢/ ١٠٢: قال الزمخشري في ربيع الأبرار- على ما يعلق بالخاطر- و الحافظ السيوطي: إنّه كان في أيّام بني أميّة أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها عليّ بن أبي طالب بما سنّه لهم معاوية من ذلك.
و في ذلك يقول العلّامة الشيخ أحمد الحفظي الشافعي في أرجوزته:--
|
و قد حكى الشيخ السيوطي: إنّه |
قد كان فيما جعلوه سنّة |
|
|
سبعون ألف منبر و عشرة |
من فوقهنّ يلعنون حيدرة |
|
... و كان أمير المؤمنين يخبر بذلك كلّه و يقول:« أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، و يطلب ما لا يجد، فاقتلوه و لن تقتلوه، ألا و إنّه سيأمركم بسبّي و البراءة منّي».