تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٥٥٤ - ذكر المسائل التي كتب ملك الروم إلى عمر
موائد الجنّة؛ فإنّ عليها القصاع في كلّ قصعة ألوان[١] لا يختلط بعضها ببعض، ما مثلها في الدّنيا؟ و عن جارية تخرج من تفّاحة في الجنّة و لا ينقص منها شيء؟ و عن جارية تكون في الدّنيا لرجلين؛ و هي في الآخرة لواحد؟ و عن مفاتيح الجنّة؛ ما هي؟
فقرأ عليّ[٢] عليه السّلام الكتاب، و كتب في الحال خلفه: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد: فقد وقفت على كتابك أيّها الملك و أنا أجيبك بعون اللّه و قوّته[٣] و بركته و بركة نبيّنا محمّد صلى اللّه عليه و سلم: أمّا الشّيء الذي لم يخلقه اللّه تعالى، فالقرآن، لأنّه كلامه[٤] و صفته، و كذا كتب اللّه المنزلة، و الحقّ سبحانه قديم و كذا صفاته[٥].
[١] - خ: و عن القصاع التي على موائد الجنّة، فإنّ في كلّ قصعة ألوانا لا يختلط ...
[٢] - خ: أمير المؤمنين، بدل:« عليّ».
[٣] - خ: و حوله، بدل:« و قوّته».
[٤] - ش: فهو القرآن فانّه كلامه.
[٥] - ض و ع: فكذا صفاته. خ: لأنّ الحق قديم و كذا كلامه و صفته.
كذا في هذا الحديث، و في تفسير العيّاشي ١/ ٦ رقم ١٤: عن زرارة قال سألت أبا جعفر عليه السّلام عن القرآن؟ فقال لي:« لا خالق و لا مخلوق، و لكنّه كلام الخالق».
و أيضا فيه ص ٧ رقم ١٥: عن زرارة قال: سألته عن القرآن، أ خالق هو؟ قال:« لا»، قلت: أ مخلوق؟ قال:« لا، و لكنّه كلام الخالق»،[ يعني أنّه كلام الخالق بالفعل].
و أيضا فيه ص ٨ رقم ١٧: عن ياسر الخادم عن الرضا عليه السّلام أنّه سئل عن القرآن؟ فقال:« لعن اللّه المرجئة، و لعن اللّه أبا حنيفة، إنّه كلام اللّه غير مخلوق حيث ما تكلّمت به، و حيث ما قرأت و نطقت فهو كلام و خبر و قصص».
أقول: البحث عن حدوث القرآن و قدمه قد عنونه كثير من العلماء و المحدّثين و المفسّرين من الخاصّة و العامّة في كتبهم، فراجع: الملل و النحل للشهرستاني ١/ ١١٧- ١٢٠ عند ذكره« النجّاريّة»، و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٥٥- ٥٦، و روح المعاني للآلوسي ١/ ٢١- ٣٨ الفائدة الرابعة من خطبة المفسّر، و بحار الأنوار للمجلسي ٥/ ٣١ رقم ٣٩ و ١٠/ ٢٢٨ رقم ١ و ٥٧/ ٨٤- ٨٥ رقم ٦٦ و ٧٠/ ٢٩٤- ٢٩٥ رقم ٤٠ و ٩٢/ ١١٧- ١٢١ رقم ١- ١١، و البيان في تفسير القرآن للسيّد الخوئي ص ٤٣١- ٤٤٠، و كتاب علوم القرآن عند-- المفسّرين ١/ ١٢٧- ١٥٦، و غير ذلك.
هذا، و قد قال السيّد الخوئي قدّس سرّه: لا يشكّ أحد من المسلمين أنّ كلام اللّه الذي أنزله على نبيّه الأعظم برهانا على نبوّته و دليلا لأمّته، و لا يشكّ أحد منهم أنّ التكلّم إحدى صفات اللّه الثبوتيّة المعبّر عنها بالصفات الجماليّة، و قد وصف اللّه سبحانه نفسه بهذه الصفة في كتابه، فقال تعالى: وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً[ النساء: ١٦٤].
و قد كان المسلمون بأسرهم على ذلك، و لم يكن لهم أيّ اختلاف فيه، حتّى دخلت الفلسفة اليونانيّة أوساط المسلمين، و حتّى شعبتهم بدخولها فرقا، تكفّر كلّ طائفة أختها، و حتّى استحال النزاع و الجدال إلى المشاجرة و القتال، فكم هتكت في الإسلام من أعراض محترمة، و كم اختلست من نفوس برئية، مع أنّ القاتل و المقتول يعترفان بالتوحيد، و يقرّان بالرسالة و المعاد!!
أليس من الغريب أن يتعرّض المسلم إلى هتك عرض أخيه المسلم و إلى قتله؟! و كلاهما يشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمدا عبده و رسوله، جاء بالحقّ من عنده، و أنّ اللّه يبعث من في القبور.
أو لم تكن سيرة نبيّ الإسلام و سيرة من ولي الأمر من بعده أن يرتّبوا آثار الإسلام على من يشهد بذلك؟ فهل روى أحد أنّ الرسول أو غيره ممّن قام مقامه سأل أحدا عن حدوث القرآن و قدمه، أو عمّا سواه من المسائل الخلافيّة، و لم يحكم بإسلامه إلّا بعد أن يقرّ بأحد طرفي الخلاف؟!!
و لست أدري- و ليتني كنت أدري- بماذا يعتذر من ألقى الخلاف بين المسلمين، و بما يجيب ربّه يوم يلاقيه؛ فيسأله عمّا ارتكب؟ فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
و قد حدثت هذه المسألة- حدوث القرآن و قدمه- بعد انشعاب المسلمين شعبتين: أشعري و غير أشعري، فقالت الأشاعرة بقدم القرآن، و بأنّ الكلام على قسمين: لفظي و نفسي، و أنّ كلام اللّه النفسي قائم بذاته و قديم بقدمه و هو إحدى صفاته الذاتيّة، و ذهبت المعتزلة و العدليّة إلى حدوث القرآن، و إلى انحصار الكلام في اللفظي، و إلى أنّ التكلّم من الصفات الفعليّة ...
راجع البيان في تفسير القرآن ص ٤٣١- ٤٤٠.