تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٤٤٤ - تمام حديث الخوارج
فأذن له[١]، ثمّ ارتحل إلى النّخيلة فنزل بها، و لم يقتل من أصحابه سوى سبعة[٢]، ثمّ قال للنّاس: «استعدّوا للمسير إلى الشّام لقتال المحلّين»، فأقاموا أيّاما بالنّخيلة ثمّ تسلّلوا، فدخلوا الكوفة و لم يبق معه من وجوه النّاس إلّا القليل، فلما رأى عليه السّلام ذلك دخل الكوفة و انكسر عليه رأيه في المسير إلى صفّين، فخطب و قال:
«أيّها النّاس، ما بالكم! إذا أمرتكم أن تنفروا إلى قتال أهل الضّلالة اثّاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدّنيا من الآخرة[٣]، و بالذلّ و الهوان من العزّ؟ و كلّما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنّكم من الموت في سكرة، و كأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون، و كأنّ أبصاركم في كمه[٤] فأنتم لا تبصرون، و اللّه ما أنتم إلّا أسود شرى في الدّعة، و ثعالب روّاغة حين تدعون إلى البأس، ما أنتم لي بثقة سجيس اللّيالي، ما أنتم بركب يصال به، و لا زوافر يعتاص إليها»[٥].
قوله عليه السّلام: «مألوسة»، أي ما ذاقت الحرب، و «اللّوس»: الذّوق[٦]. و «سجيس
[١] - رواه الطّبري في تاريخه ٥/ ٨٨ عن أبي مخنف، و البلاذري في ترجمة عليّ عليه السّلام من أنساب الأشراف ٢/ ٣٧٤ الرقم ٤٤١.
[٢] - لاحظ تاريخ الطّبري ٥/ ٨٩، و تاريخ اليعقوبي ٢/ ١٩٣، و البداية و النهاية ٧/ ٣٠٠، و ترجمة عليّ عليه السّلام من أنساب الأشراف ٢/ ٣٧٣ ح ٤٤٠.
[٣] - اقتباس من الآية ٣٨ من سورة التّوبة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ.
[٤] - قال في النهاية ٤/ ٢٠١ في مادّة« كمه»: الكمه: العمى، و قد كمه يكمه فهو أكمه: إذا عمي، و قيل: هو الذي يولد أعمى.
[٥] - رواه مع اختلاف و زيادة الطّبري في تاريخه ٥/ ٨٩- ٩٠، و البلاذري في ترجمة عليّ عليه السّلام من أنساب الأشراف ٢/ ٣٧٩- ٣٨٠ الرقم ٤٥١، و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة ١/ ١٢٩.
و لاحظ أيضا المختار ٣٤ من الخطب من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢/ ١٨٩.
[٦] - كذا في النسخ، و قال ابن الأثير في النهاية ١/ ٦٠ في مادّة« ألس»: الألس: هو اختلاط العقل.
و قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٢/ ١٩٠ في شرح المختار ٣٥ من الخطب: و قلوبكم مألوسة: من الألس، بسكون اللام، و هو الجنون و اختلاط العقل.