تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ١٧ - ١ - حياته الشخصية و العلمية و الاجتماعية
الكامل و الأشرف اللّذين وافقا على تلك الصّفقة الشّائنة.
و كان أبو المظفّر قد أرضى ضميره حين جهر بالحقّ؛ و لكن زاوية في نفسه كان يتسلّل بين الحين و الحين شعور مؤرّق، و لم يكن ذلك خوفا على حياته من الأذى أو على راحته من التّنغيص، بل كان إحساسا بالحياء أمام صديق له أياد جمّة عليه، فأصبح الرّحيل عن دمشق أمرا حتميّا؛ فوجد أبو المظفّر نفسه يوجّه ركائبه نحو الكرك في سنة ٦٢٦ ه، حيث صاحبه النّاصر داود الذي حرّضه على تلك الفتوى، و قد امتدّت إقامته هنالك حتى سنة ٦٣٣ ه.
و استمرّت به الحياة يعقد مجالس الوعظ، و يتابع جهوده في حضّ العاصين على التّوبة، و كان إذا شاء أن يكسر من رتابة تلك الحياة تردّد إلى القدس و نابلس، و في هذين البلدين أيضا يعقد مجالس الوعظ و الإرشاد، و في هذه الفترة تعرّف في القدس إلى الشّيخ عبد اللّه الأرمني العابد الورع المجاهد، فأصبحا صديقين، و كان الشّيخ عبد اللّه لا ينقطع عن حضور مجالس السّبط إلّا لعذر.
و في هذه الفترة أيضا كان نجم الدّين أيّوب محبوسا لدى النّاصر صاحب الكرك، فأقام في حبسه سبعة أشهر، فأطلقه النّاصر، و اجتمع به أبو المظفّر في القدس و تحدّثا، ثمّ جرت أسباب أدّت إلى مغادرة الكرك.
و كانت تلك السّنوات كفيلة بفتور غضب الأشرف على تلك الفتوى، و استقواء حنينه إلى صديقه القديم، و لهذا فإنّه ما إن سمع بعودة السّبط (سنة ٦٣٣ ه) حتّى ذهب لزيارته و أحسن إليه، و لأوّل عودة السّبط عقد مجلسا في جامع التّوبة ليلة عرفة، و حضر الأشرف المجلس و بكى، و أعتق مماليكه و جواريه، و قال لأبي المظفّر: قد رجع الحقّ إلى نصابه، و مثلك يصلح أن يكون في خرائب نابلس و القدس و الكرك، و اللّه إنّ دمشق تغار عليك أن تكون في غيرها.
و مرض الأشرف أواخر سنة ٦٣٤ ه، و كان أبو المظفّر يزوره كلّ يوم هو