قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣١ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
فترجف الأرض و تضطرب السماء فتنزل ملائكة السماء فتمسك أطراف الأرضين و تصعد ملائكة الأرضين فتمسك على أطراف السموات. و لا يزالون يقرءون: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ [الإخلا ١]. حتى يسكن غضبه سبحانه و تعالى فذلك قوله تعالى: إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّماواتِ [فاطر: ٤١] الآية. و قال بعض العلماء: إذا ضرب الناقوس في الأرض و دعي بدعوة الجاهلية اشتد غضب الرب سبحانه و تعالى فإذا نظر إلى صبيان المكاتب و رأى عمار المساجد و قيل: إذا نظر إلى المتحابين في الله أو المتزاورين له و سمع أصوات المؤذنين حلم و غفر فذلك قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [فاطر: ٤١] فإذا أتبع العبد الذنب بالذنب و لم يجعل بين الذنبين توبة خيف عليه الهلكة لأن هذه حال المصرّ و لأنه قد شرد عن مولاه بترك رجوعه إليه و دوام مقامه مع النفس على هواه و هذا مقام المقت في البعد و أفضل ما يعمله العبد قطع شهوات النفس أحلى ما يكون عنده الهوى إذ ليس لشهواتها آخر ينتظر كما ليس لبدايتها أوّل يرتسم فإن لم يقطع ذلك لم يكن له نهاية فإن شغل بما يستأنف من مزيد الطاعة و وجد حلاوة العبادة و إلا أخذ نفسه بالصبر و المجاهدة فهذا طريق الصادقين من المريدين. و قيل في قوله تعالى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا [الأعراف: ١٢٨] أي استعينوا به على الطاعة و اصبروا على المجاهدة في المعصية. و قال علي كرّم الله وجهه: أعمال البرّ كلّها إلى جنب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كتفلة إلى جنب البحر و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى جنب الجهاد في سبيل الله تعالى كتفلة في جنب بحر و الجهاد في سبيل الله تعالى إلى مجاهدة النفس عن هواها في اجتناب النهي كتفلة في جنب بحر لجيّ. و على هذا معنى الخبر الوارد رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهدة النفس. و كان سهل بن عبد الله يقول: الصبر تصديق الصدق و أفضل منازل الطاعة صبر على معصية ثم الصبر على الطاعة. و قد روينا في الإسرائيليات: إن رجلا تزوّج امرأة في بلدة و أرسل عبده يحملها إليه فراودته نفسه و طالبته بها فجاهدها و استعصم بالله قال: فنبأه الله تعالى فكان نبيا في بني إسرائيل. و في بعض قصص موسى عليه السلام: إنه قال للخضر عليه السلام: بأيّ شيء أطلعك الله تعالى على علم الغيب؟ فقال: بترك المعاصي لأجل الله تعالى. فالجزاء من الله تعالى يجعله غاية العطاء لا على قدر العمل لكن إذا عمل له عبد شيئا لأجله أعطاه أجره بغير حساب ثم إنه لا يتخذ التائب عادة من ذنب فيتعذر بها توبته فإن العادة جند من