قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٩ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
النور فيتكلم عليهم في هذا العلم من علم اليقين و القدرة في خواطر القلوب و فساد الأعمال و وسواس النفوس و ربما قنع بعد أصحاب الحديث رأسه فاختفى من ورائهم ليسمع ذلك فإذا رآه الحسن. قال له: يا لكع و أنت ما تصنع هاهنا؟ إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر و الحسن رحمه الله هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به أثره نقفو و سبيله نتبع و من مشكاته نستضيء أخذنا ذلك بإذن الله تعالى إماما عن إمام إلى أن ينتهي ذلك إليه. و كان من خيار التابعين بإحسان قيل: ما زال يعي الحكمة أربعين سنة حتى نطق بها و قد لقي سبعين بدريا و رأى ثلاثمائة صحابي و ولد لليلتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة عشرين من التأريخ ولد بالمدينة و كانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه و سلم و يقال إنها ألقمته ثديها تعلله حين بكى فدرّ ثديها عليه و كان كلامه يشبه بكلام رسول الله صلّى الله عليه و سلم و رأى عثمان بن عفان و عليّ بن أبي طالب و من بقي في وقته من العشرة ثم رأى من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم من عهد عثمان و من سنة نيف و عشرين من الهجرة إلى سنة نيف و تسعين. و من آخر من مات من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم بالبصرة أنس بن مالك و بالمدينة سهل بن سعد الساعدي و مكة أبو الطفيل و باليمن أبيض بن جمال المازني و بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى و بالشام أبو قرصافة و بخراسان بريدة الأسلمي و دخلت سنة مائة من التأريخ و لم يبق على وجه الأرض عين تطرف رأت رسول الله صلّى الله عليه و سلم في جميع أطراف الأرض ثم توفي الحسن في سنة عشر و مائة و كان أبو قتادة العدوي يقول: عليكم بهذا الشيخ فو الله ما رأينا أحدا لم يصحب رسول الله صلّى الله عليه و سلم أشبه بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم منه و كانوا يقولون كنا نشبهه بهدى إبراهيم الخليل صلّى الله عليه و سلم في حلمه و خشوعه و وقاره و سكينته فكان على شمائله و نذرت امرأة بالبصرة نذرا إن فعل الله تعالى ذلك بها أن تنسج ثوبا من غزلها و صفته و تكسوه خير أهل البصرة فرأت تمام نذرها فوفت بما نذرت ثم سألت: من خير أهل البصرة؟ فقالوا: الحسن. و كان الحسن رضي الله عنه أول من أنهج سبيل هذا العلم و فتق الألسنة به و نطق بمعانيه و أظهر أنواره و كشف به قناعة و كان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه فقيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك. فممّن أخذت هذا؟ فقال: من حذيفة بن اليمان قيل: و قالوا الحذيفة بن اليمان نراك تتكلم في هذا العلم بكلام لا نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم فمن أين أخذته فقال خصّني به رسول الله صلّى الله عليه و سلم. كان الناس يسألونه عن الخير و كنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه و علمت أن الخير لا يسبقني و قال مرة فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير.