قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٣ - ذكر أحزاب القرآن و كيف حزبه الصحابة رضي الله عنهم
يذكر إلا من ينيب و قال عزّ و جلّ: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [الزمر: ٩] الذين يوفون بعهد الله و لا ينقضون الميثاق. فالاستقامة على التوبة من الوفاء بالعهد و تعدّي الحدود من نقض الميثاق و قلة الصدق و الإنابة هي التوبة و الإقبال على الله عزّ و جلّ. و الألباب هي العقول الزاكية و القلوب الطاهرة و ينبغي للتالي الخائف الناصح لنفسه و للخلق السليم القلب إذا تلا آي الوعد و المدح و محاسن الوصف و مقامات المقربين أن لا يشهد نفسه هناك و لا يراها مكانا لذلك بل يشهد للمؤمنين فيها و ينظر إلى الصديقين منها سلامة و نصحا، فإذا تلا الآي الممقوت أهلها المتهدّد عليها المذموم وصفها من مقامات الغافلين و أحوال الخاطئين شهد نفسه هناك و أنه هو المخاطب المقصود بذلك خوفا منه و شفقا. فبهذه المشاهدة يرجو للخلق و يخاف على نفسه و من هذه الملاحظة يسلم قلبه للعباد و يمقت نفسه. و روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول اللّهم إني أستغفرك لظلمي و كفري قال: فقلت يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر؟ فتلا قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] فإن قلب هذان المعنيان على عبد حتى يشهد نفسه في المدح و الوصف و يشهد غيره في الذم و المقت انقلب قلبه عن وجهة الصادقين و تنكب بقصده عن صراط الخائفين فهلك و أهلك لأن من شهد البعد في القرب لطف به بالخوف، و من شهد القرب في البعد مكر به في الأمن. و قال بعض العلماء: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه من رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يتلوه على أصحابه ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول الله صلّى الله عليه و سلّم. ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم عزّ من قائل فعندها وجدت له نعيما و لذة لا أصبر عنها. و قال عثمان رضي الله عنه: أو حذيفة لو طهرت القلوب لم تشبع من تلاوة القرآن. و قال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين سنة و تنعمت به عشرين سنة. و قال بعض علمائنا: لكل آية ستون ألف فهم و ما بقي من فهمها أكثر. و عن علي رضي الله عنه: لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب. و عن أبي سليمان الداراني: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال و ذكر خمس ليال و لو لا أني أقطع الفكر فيها لما جاوزتها إلى غيرها. و روينا عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها و لا يفرغ منها. و حدثنا عن بعض العارفين قال: لي في كل جمعة ختمة، و في كل شهر ختمة، و في كل سنة ختمة، و لي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد. يعني ختمة التفهم و المشاهدة.