قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٦ - الفصل التاسع و العشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين و تمييز أهل الغفلة المبعدين
عندهم فلم يجددوها و خربت فيما بينهم فلم يعمروها و ماتت في صدورهم فلم يحيوها قدموها فبنوا بها آخرهم أحيوا ذكر الموت و أماتوا ذكر الحياة يحبون الله و يحبون ذكره و يستضيئون بنوره و يضيئون به لهم خبر عجيب و عندهم أعجب الخبر العجيب. و قال عزّ و جلّ في وصفهم: وَ من أَحْسَنُ من الله [المائدة: ٥٠] حديثا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا من كِتابِ الله وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ و قال تعالى: شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨] و فيها مقرأ غريب بمعنى الجمع للشهداء و كأنه جعل وصفا لما تقدم من ذكرهم في قوله تعالى: الصَّابِرِينَ وَ الصَّادِقِينَ [آل عمران: ١٧]. إلى قوله: وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: ١٧]. شهد الله أنه لا إله إلا هو و قال: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ من عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: ٤٣]. فهذا وصف يزيد على كل وصف و يستغرق نعت الواصفين و يجمع هذه المقامات السبعة من المراقبة و المشاهدة حالان عن مقامين مدار المقامات كلها عليهما و مستخرج المزيد من الكرامات منهما، فأحدهما الخوف عن مقام العلم و الحال الثاني الرجاء عن مقام العمل. فمن كان مقامه العلم باللّه كان حاله الخوف منه و من كان مقامه الرجاء للَّه تعالى كانت حاله المعاملة له. ألم تسمع إلى قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] و قوله: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: ١١٠].